ملتقى أسبار: التقرير رقم (416): دور الاقتصاد المكاني في تحقيق رؤية السعودية 2030م

12 February 2025

Intro:

• تمهيد: يعرض هذا التقرير لقضية مهمة تمَّ طرحها للحوار في ملتقى (أسبار) خلال شهر أكتوبر 2024م، وناقشها نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات الذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة، وجاءت بعنوان: (دور الاقتصاد المكاني في تحقيق رؤية السعودية 2030م)، وأعد ورقتها الرئيسة د. إحسان بو حليقة، وعَقَّبَ عليها كلٌّ من: د. محمد الزهراني، ود. ناصر القعود، ود. سمر الوهيبي، وأدار الحوار حولها أ. عبدالرحمن باسلم.

Content:

• تمهيد: يعرض هذا التقرير لقضية مهمة تمَّ طرحها للحوار في ملتقى (أسبار) خلال شهر أكتوبر 2024م، وناقشها نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات الذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة، وجاءت بعنوان: (دور الاقتصاد المكاني في تحقيق رؤية السعودية 2030م)، وأعد ورقتها الرئيسة د. إحسان بو حليقة، وعَقَّبَ عليها كلٌّ من: د. محمد الزهراني، ود. ناصر القعود، ود. سمر الوهيبي، وأدار الحوار حولها أ. عبدالرحمن باسلم.

Lorem Ipsum:

 

 

 

 

 

 

 

تقرير رقم (416)

دور الاقتصاد المكاني في تحقيق رؤية السعودية 2030م (أكتوبر 2024 م)

 

 

 

 

  • تمهيد:

يعرض هذا التقرير لقضية مهمة تمَّ طرحها للحوار في ملتقى (أسبار) خلال شهر أكتوبر 2024م، وناقشها نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات الذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة، وجاءت بعنوان: (دور الاقتصاد المكاني في تحقيق رؤية السعودية 2030م)، وأعد ورقتها الرئيسة د. إحسان بو حليقة، وعَقَّبَ عليها كلٌّ من: د. محمد الزهراني، ود. ناصر القعود، ود. سمر الوهيبي، وأدار الحوار حولها أ. عبدالرحمن باسلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحتويات

  • تمهيد
  • فهرس المحتويات
  • الملخص التنفيذي
  • الورقة الرئيسة: د. إحسان بو حليقة
  • التعقيبات:

التعقيب الأول – د. محمد الزهراني

التعقيب الثاني – د. ناصر القعود

التعقيب الثالث – د. سمر الوهيبي

  • إدارة الحوار: أ. عبدالرحمن باسلم
  • المداخلات حول القضية:
  • أوجه التقاطع، والتمايز بين الاقتصاد المكاني والاقتصاد الإقليمي.
  • الاقتصاد المكاني، وتحقيق أغراض التنمية في المملكة.
  • الاقتصاد المكاني في ضوء رؤية 2030م.
  • هيئة المدن، والمناطق الاقتصادية، ودورها التنظيمي، والإداري.
  • متطلبات تطبيق الاقتصاد المكاني في الواقع السعودي.
  • التنمية المستدامة لمدينة الرياض في ضوء اقتصاديات المكان.
  • الميزة النسبية لمنطقة الجوف؛ بصفتها نموذجًا للتنمية الزراعية المستدامة.
  • الذكاء الاصطناعي، وتقنية المعلومات، ودورهما في التنمية المناطقية.
  • Sayings
  • المصادر ، والمراجع
  • المشاركون
  • الملخص التنفيذي:

يتناول هذا التقرير قضية دور الاقتصاد المكاني في تحقيق رؤية السعودية 2030م، وأشار د. إحسان بو حليقة في الورقة الرئيسة إلى أن رؤية المملكة 2030م جلبتْ تَوَجُّهًا جديدًا يأخذ الاقتصاد السعودي إلى خارج “منطقة الدعَة”؛ حيث الآفاق الأرحب، وعلى الرغم من أنها تعج بفرص واعدة لكنها رحابٌ دونها تحديات متنوعة.

ومن تلك الآفاق الرحبة: الاهتمام بالاقتصاد المكاني، وما يشمله من تنمية المناطق، وتطوير سعتها للمساهمة في النمو، والتنوع؛ بما يحقق ليس فقط التنمية المتوازنة؛ بل تشخيص المزايا النسبية، والتنافسية للمكان، والسعي لتعظيم الاستفادة منها، ولكن لتحقيق ذلك متطلبات لابد من استيفائها.

بينما أكَّد د. محمد الزهراني في التعقيب الأول – أن الاقتصاد المكاني يُعتبر جزءًا أساسيًّا في تحقيق رؤية السعودية2030م يهدف إلى تحقيق التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة، وتنويع النمو الاقتصادي عن طريق تطوير المناطق، وتنميتها؛ بما يتوافق مع المزايا التنافسية لكل منطقة، وهذا يتضمن تحليل كيفية استغلال المزايا الطبيعية، والاقتصادية للمناطق، واستثمارها بطريقة تُعزز التنمية المستدامة.

بينما ذكر د. ناصر القعود في التعقيب الثاني – أنه من الجدير بالفخر، والإشادة ما توصلت إليه رؤية المملكة ٢٠٣٠م من إصلاحات اقتصادية هيكلية تمثلت في تنويع مصادر الدخل في الاقتصاد، ورفع تنافسيته مع الاهتمام الملموس بأن تشمل التنمية بأبعادها الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية كل مناطق المملكة، ومدنها، واقتناص الفرص لاستثمار المزايا النسبية، والتنافسية في كل منطقة، ومدينة.

في حين تطرقت د. سمر الوهيبي في التعقيب الثالث – إلى أن الاهتمام بتطوير المناطق يزيد من تنافسية الشركات المحلية على المستوى العالمي؛ وذلك للاستفادة من مميزات كل منطقة، وفرادتها الطبيعية، ومن هذا المنطلق؛ فإن اهتمام المملكة العربية السعودية بتنمية المناطق، وتطويرها من خلال الهيئات الملكية، وهيئات تطوير المدن يعكس- بالفعل- إدراكها لتبعات هذا التطوير على النشاط الاقتصادي المناطقي، وانعكاس تلك السياسات عليه، وكذلك الاهتمام بالاقتصاد المكاني؛ من حيث الاهتمام بتحسين شبكات النقل، والخدمات اللوجستية، وتخفيض تكلفة النقل؛ مما يخلق بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، ومما يزيد نمو مساهمة القطاع الخاص، وهي أحد أهداف الرؤية.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور الآتية:

  • أوجه التقاطع، والتمايز بين الاقتصاد المكاني والاقتصاد الإقليمي.
  • الاقتصاد المكاني، وتحقيق أغراض التنمية في المملكة.
  • الاقتصاد المكاني في ضوء رؤية 2030م.
  • هيئة المدن، والمناطق الاقتصادية، ودورها التنظيمي، والإداري.
  • متطلبات تطبيق الاقتصاد المكاني في الواقع السعودي.
  • التنمية المستدامة لمدينة الرياض في ضوء اقتصاديات المكان.
  • الميزة النسبية لمنطقة الجوف؛ بصفتها نموذجًا للتنمية الزراعية المستدامة.
  • الذكاء الاصطناعي، وتقنية المعلومات، ودورهما في التنمية المناطقية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى (أسبار) حول القضية ما يأتي:

  • تحتم الاستفادة من اقتصاديات المكان تصميم حزم سياسات تتصل بتعظيم الأثر الاجتماعي-الاقتصادي؛ ليشمل جغرافيًّا جميع مناطق المملكة، ويكتسب هذا الأمر أهمية متزايدة مع تزايد الترابط فيما بين المواقع الجغرافية من جهة، وترابط الاقتصاد السعودي مع محيطه الإقليمي، وتأثيره العالمي من جهة أخرى.
  • تعزيز البحث العلمي؛ وذلك بإطلاق مجلة علمية مُحَكَمة عن الاقتصاد المكاني، وتصميم برامج تركيز أكاديمي على دراسات الاقتصاد المكاني بتطوير مقررات لتدريسه منهجيًّا بصورته العامة، وفيما يتصل بسياساته، وتطبيقاته في المملكة العربية السعودية، وربط تلك الدراسات بمعطيات التقنية؛ بما في ذلك التحاليل القائمة على البيانات الضخمة، ونظم المعلومات الجغرافية، وتقنيات النمذجة المكانية.
  • أهمية إصدار التقارير المنتظمة، ونشرها من قبل هيئات تطوير المناطق، والمدن، ومن قبل مركز دعم هيئات تطوير المناطق، وتوضيح ما تم تنفيذه، وما سيتم؛ ليطلع عليها المجتمع، ويناقشها، ويتفاعل معها، ويسعى إلى دعمها، والاستثمار فيها.
  • توظيف علم الاقتصاد المكاني؛ وذلك للتعرف على عوامل قوى التشتت، والجذب للأنشطة الاقتصادية، والقوى البشرية، وتحليل تلك العوامل، واستخدامها بشكل مدروس؛ بما يساعد أصحاب القرار بتحديد أهدافهم بدقة؛ وفقًا لرؤية المملكة2030م.
  • أن تسارع هيئات التطوير، ومكاتبها في المناطق الانتهاء من تطوير إِسْترَاتِيجِيَّاتِهَا؛ وذلك لإقرارها من الجهات المختصة؛ بما يرسم لوحة مكتملة السرّد، ومتسقة الألوان، والظلال لتطبيق الرؤية سياسات الاقتصاد المكاني؛ وبالتالي التعرف على أثرها الاقتصادي، والتوظيفي، ومبادراتها، ومسارات تنفيذها حتى العام 2030م.

 

 

  • الورقة الرئيسة: د. إحسان بو حليقة

أولاً- تأطير:

أخذ مصممو السياسات يلمسون تصاعد فاعلية معالجة الاقتصاد المكاني لمجموعة واسعة من التحديات، مثل: التفاوتات الإقليمية، والتخطيط الحضري، والبنية التحتية للنقل، والاستدامة البيئية؛ ولذا تقوم أعداد متزايدة من الحكومات، والمنظمات الدولية بإدماج التحليل الاقتصادي المكاني في عمليات صنع السياسات، والتخطيط لها؛ لما لذلك من تأثير في جعل تلك السياسات أكثر كفاءة، ولما لها من دور في تعزيز استقرار الاقتصاد، وزخم نموه.

كما جلبتْ رؤيةُ المملكةِ 2030م توجُّهًا جديدًا يأخذ الاقتصاد السعودي إلى خارج “منطقة الدعَة”؛ حيث الآفاق الأرحب على الرغم من أنها تعج بفرص واعدة، لكنها رحابٌ دونها تحديات متنوعة، ومن تلك الآفاق الرحبة: الاهتمام بالاقتصاد المكاني، وما يشمله من تنمية المناطق، وتطوير سعتها للمساهمة في النمو والتنوع؛ بما يحقق ليس فقط التنمية المتوازنة؛ بل تشخيص المزايا النسبية، والتنافسية للمكان، والسعي لتعظيم الاستفادة منها، ولكن لتحقيق ذلك متطلبات لابد من استيفائها.

إذ شهدت التسعينيات بداية تطور مجال الاقتصاد المكاني، وهو بناء نظري يستخدم لتحليل التوزيع الجغرافي للأنشطة الاقتصادية، ويركز هذا المجال على البعد الجغرافي للنشاط الاقتصادي، والبحث عن سياسات تُصِيغُ المواءمة بين معطيات جذب النشاط الاقتصادي إلى منطقة معينة والمعطيات التي تشتت النشاط الاقتصادي في جميع أنحاء المنطقة المحيطة؛ وذلك بما يحدد- في المحصلة- التوزيع الجغرافي للنشاط الاقتصادي.

وتأخذ نماذج الاقتصاد المكاني عوامل تكلفة النقل، واقتصاد الحجم، والتنوع في الاقتصاد الجزئي القياسي، وتفترض هذه النماذج أولاً – أنه يتم تكبد قدر معين من تكلفة النقل عندما يتم استهلاك البضائع المنتجة في موقع ما في موقع آخر، وبعد ذلك تفترض النماذج اقتصاد الحجم؛ حيث تنخفض تكلفة الإنتاج لكل وحدة مع زيادة حجم الإنتاج، والفرضية النهائية هي عامل التنوع.

ومن التجارب المتداولة، والريادية ذات الصلة بالاقتصاد المكاني المحاكاة التي أجراها البرفسور (بول كروجمان) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2008م؛ باستخدام نموذج للاقتصاد المكاني يسمى نموذج “اقتصاد مضمار السباق” (كروجمان)، ويفترض هذا النموذج عدة مدن (في حالة كروجمان، 12 مدينة) مرتبة على فترات متساوية بطريقة دائرية، مثل: الأرقام الموجودة على وجه الساعة، ويشمل الاقتصاد المزارعين الذين يعيشون في المدن، ولا يتحركون، وعمال المصانع الذين يتنقلون بين المدن بحثًا عن أجور أعلى، وأسعار أقل، وفي البداية كان عدد سكان المدن مختلقًا قليلاً فقط؛ فـــ (حجم المدينة المتساوي بشكل موحد يسبب التوازن؛ مما يمنع المحاكاة من العمل)، وباستخدام هذه الشروط الأساسية قام (كروجمان) بتعديل تكلفة النقل (T)، ودرجة الرغبة في التنوع للمنتجات الصناعية (σ)؛ وذلك من أجل تحليل التغيرات في أعداد التجمعات، ومواقعها؛ وبذلك استطاع (كروجمان) بيان أن التغييرات في العوامل الثلاثة تؤثر على تعزيز التجمعات الاقتصادية المكانية.

ومما يُستفاد من محاكاة (كروجمان) هو أن السياسات ذات تأثير جوهري على انتعاش التجمعات المكانية التي تمتلك الميزة النسبية، والتنافسية، وهكذا فالمنبع الأساس لتوليد السياسات الطموحة هو الرؤية الطموحة الساعية لإحداث تغيير يفجر ينابيع النمو الاقتصادي، ولتحقيق ذلك؛ فعند وضع رؤية وطنية ذات آفاق مستقبلية تطمح لاستجلاب معطيات القوة الاقتصادية؛ فلابد من أن تعيد الحكومة هيكلة منظومة الحوكمة؛ بما يتلاءم مع أهداف الرؤية، وتوجهاتها، وقد تتطلب إعادة هيكلة منظومة الحوكمة تغييرات عديدة، وتكاليف عالية من قِبَل الحكومة، لكن ذلك ضروري لتحسين فرص نجاح تنفيذ الرؤية كما هو مخطط لها، وتوظيف دراسات الاقتصاد المكاني لاجتراح سياسات، ومبادرات ليست استثناءً من ذلك.

وأخذًا في الاعتبار أن الرؤية هي خطة طويلة المدى؛ مما أوجب أن تكون هناك اعتبارات مهمة للثبات على تحقيق تلك الأهداف، وعدم إهمالها، أو إهمال بعضها؛ فحدوث ذلك كفيل بأن تفقد الرؤية جُزْءًا من نجاحها، كما أن الحكومة الفعالة ستوجد طرقًا للتعامل مع التعديلات التي قد تطرأ على الرؤية؛ بما يشمل تعديل أهدافها، أو تطوير تلك الأهداف لتفادي مخاطر محدقة، أو لاقتناص فرص مستجدة.

هذا على المستوى الوطني؛ فكيف الحال عند الأخذ في الاعتبار الاتساع الجغرافي للمملكة، وما تمتلكه كل منطقة من مناطقها في جنباتها من موارد، وثروات، وما تعايشه من تحديات تنموية، ومن فرص تنتظر أن تستثمر؛ لتجلب ازدهارًا لاقتصاد المكان (المنطقة، أو المدينة، أو البلدة، أو القرية) يؤدي- في محصلته- لتحقيق التنوع، والتعميق، والمرونة الاقتصادية؛ باستجلابها للاستثمارات، وتوظيفها للموارد البشرية.

لماذا كل هذه التغييرات؟ التغيير مطلوب؛ ليضاهي ضخامة التطلعات، وليساهم في إزاحة العوائق من أمامها، وكذلك ليميط اللثام عن مكامن القوة، وَجُلُّ مكامن القوة يقبع في المزايا النسبية، والتنافسية لمناطق المملكة التي تمتد من البحر إلى البحر، وتتمتع بثروات طبيعية متنوعة، وموقع جغرافي متميز، واستشهادًا لضخامة التطلعات؛ فقد تكفي لمحة خاطفة للتذكير ببعض أهداف “الرؤية 2030م”، وللتعرف على ضخامة التحدي؛ فمطلوب زيادة مساهمة القطاع الخاص من (40) بالمائة إلى (65) بالمائة، وزيادة الإيرادات غير النفطية من (163) مليار إلى ترليون ريال، وزيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة من (3.8) بالمائة إلى (5.7) بالمائة، وزيادة مساهمة الصادرات غير النفطية من (16) بالمائة إلى (50) بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وزيادة مساهمة المنشآت الصغيرة، والمتوسطة من (20) بالمائة إلى (35) بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي» وخفض معدل البطالة من (11.6) بالمائة إلى (7) بالمائة.

وقطعًا فإن للمناطق الإدارية في المملكة بمقدراتها الإدارية، والتنظيمية دورًا اقتصاديًّا رئيسًا عليها أن تمارسه مساهمة منها في تحقيق تطلعات الرؤية وأهدافها، وكذلك بالتمكين الممنوح لبيئات التطوير في المناطق.

ثانيًا- اقتصاديات المكان:

تتناولُ اقتصادياتُ المكانِ، (أو الاقتصاد المكاني) توزيعَ الأنشطةِ الاقتصاديةِ، وتفاعلها فيما بينها ضمن نطاق مكاني بعينه؛ حيث يساعد الاقتصاد المكاني على: (1) فهم سبب تجمع بعض الصناعات، والشركات، والسكان في مناطق محددة؛ مما يؤدي إلى تكوين المدن، والمناطق الصناعية، وتفاوتات الاقتصاد المحلي في الأقاليم. (2) يحلل العوامل التي تؤثر على قرارات تحديد الموقع لإقامة أنشطة اقتصادية واعدة، مثل: الوصول إلى الموارد، وتكاليف النقل، والخدمات اللوجستية، وتوفر اليد العاملة، واقتصادات التآزر، والتجمعات.

وعلى مستوى السياسات التنموية تستفيد السلطات الحكومية، والكيانات الاستثمارية من رؤى الاقتصاد المكاني لاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن تطوير البنية التحتية، وتخطيط استخدام الأراضي، وإستراتيجيات التنمية الاقتصادية الإقليمية؛ فمن خلال فهم الحيوية المكانية للأنشطة الاقتصادية يمكن لصناع السياسات تعزيز النمو المتوازن، والحد من الفوارق الإقليمية، وخلق بيئات حضرية مستدامة، ويساعد الاقتصاد المكاني في تحليل شبكات النقل، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتقليل تكاليف النقل.

وهذا أمر بالغ الأهمية للشركات لتعزيز كفاءتها، وقدرتها التنافسية في اقتصاد عالمي لا يملك إلا أن يترابط كُلِّيًّا، أو جُزْئِيًّا على مستوى تكتلات إقليمية، أو اتفاقات تجارية، واستثمارية، كما أن السياسات الحصيفة للاقتصاد المكاني تساهم في تقييم العواقب البيئية، والاجتماعية للأنشطة الاقتصادية، وتوجيه توزيعها المكاني؛ بما يخفف من التأثيرات السلبية على البيئة، والمجتمع.

ويظهر لمن كان على صلة بالاقتصاد السعودي أن للسياسات الاقتصادية المكانية ثلاثة عناصر يسمح الحيز بتناولها سريعًا، هي:

  • التنمية المناطقية مفهوم طموح: لعله من أكثر مسارات رؤية المملكة 2030م تَحَدِّيًّا؛ إذ ينزع إلى إيجاد اقتصاد محلي تتمحور حوله الأنشطة في كل منطقة من مناطق المملكة؛ وبناءً على هذه الميزة النسبية، والتنافسية لكل منطقة تتبين الأهمية الإستراتيجية للتنمية المناطقية بإنشاء هيئات للتطوير في شتى مناطق المملكة، وهذه الهيئات ليست مجرد هياكل بيروقراطية، أو كيانات تهدف لمجرد تعزيز الحوكمة؛ بل يظهر من التنظيم الذي أصدره مجلس الوزراء بشأنها تشعب المهام المسندة إليها؛ بحيث تصبح السلطة المهيمنة في المنطقة محل اختصاصها المكاني (كما سيرد تفصيله لاحقًا)، ولنأخذ في الاعتبار منهجية الرؤية؛ فعلى كل هيئة للتطوير أن تتقدم بإستراتيجية لتطوير الاقتصاد المحلي للمنطقة عبر توفير الممكنات، والحوافز، واستجلاب القوة الاقتصادية الكامنة؛ بما تملكه المنطقة من مزايا نسبية، ومن موارد بشرية، وطبيعية.
  • إطلاق المناطق الاقتصادية الخاصة؛ وهو امتداد لبناء اقتصاد محلي مرتبط بحيز مكاني عُمُومًا، أو حيز افتراضي، (كما هو الأمر في المنطقة الاقتصادية الخاصة للحوسبة السحابية)؛ فكل منطقة اقتصادية خاصة ستكون مرتكزًا ليس فقط في حدود اختصاصها المكاني؛ بل قد يتجاوز تأثيرها الاقتصادي المباشر، وغير المباشر، والمستَحَث؛ حتى يصل إلى المنطقة المحيطة بها، وقد يتجاوزها؛ فَضْلاً عن أن بعض المناطق الإدارية قد تحتضن أكثر من منطقة اقتصادية خاصة، كما سيكون عليه الحال في (الرياض) على سبيل المثال لا الحصر.
  • الأمر لا يتوقف عند العنصرين السابقين: (هيئات التطوير، والمناطق الاقتصادية الخاصة)؛ بل يعززه- كذلك- إطلاق مشاريع عملاقة تعزز الاقتصاد المكاني، (أو الإقليمي)، ويأتي في أعلى القائمة مشروع “نيوم” الهائل، ومشروع بوابة الدرعية، ومشروع (القدية)، ومشروع البحر الأحمر، ومشروع “رحلة عبر الزمن”، ومشروع “داون تاون”.

الاتساق، والتكامل بين العناصر الثلاثة ضروري لتقوية المزايا التنافسية لما هو قائم في المناطق، ولتمكين إنتاج الجديد من السلع، والخدمات بقى أن تُكْمِلَ جميعُ هيئات التطوير إستراتيجياتها، وتُقَرّ بما يرسم لوحة مكتملة السرّد، ومتسقة الألوان، والظلال لتطبيق الرؤية لسياسات الاقتصاد المكاني؛ وبالتالي التعرف على أثرها الاقتصادي، والتوظيفي، ومبادراتها، ومسارات تنفيذها حتى العام 2030م.

 

ثالثًا – الإدارة المناطقية:

لم تدخل رؤية المملكة 2030م تغييرات هيكلية على الإدارة المحلية؛ من حيث التقسيمات الإدارية إلى مناطق، وأسلوب إدارة تلك التقسيمات، أما التركيز؛ فقد كان على إدخال مفهوم أكثر عمقًا للتنمية المناطقية؛ وذلك من خلال إطلاق هيئات ملكية، ومكاتب تُعنى بتنمية المناطق تنمية متكاملة تستند ليس إلى التركيز على جانب، وإغفال جوانب؛ بل إلى تطوير إستراتيجيات متكاملة لكل منطقة؛ فيكون تطوير الإستراتيجية لكل منطقة من مهام الهيئة الملكية لتطوير تلك المنطقة، وعلى الهيئة بعد إنجاز الإستراتيجية عرضها على مجلس الشؤون الاقتصادية، وإقناع المجلس بجدوى تلك الإستراتيجية، وقابليتها للتنفيذ.

ولتحقيق التطلعات، والمبادرات التي اشتملت عليها؛ من حيث الهيكلية التنظيمية لتلك الهيئات؛ فقد أصدر مجلس الوزراء بها “تنظيم هيئات تطوير المناطق، والمدن، واللائحة المالية لهيئات تطوير المناطق، والمدن، واللائحة الإدارية لهيئات تطوير المناطق، والمدن”؛ وذلك بتاريخ 22 مايو 2018م الذي ينص على أن الهيئة تتمتع بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال المالي، والإداري، وترتبط تنظيميًّا برئيس مجلس الوزراء، كما تهدف الهيئة- دون إخلال باختصاصات الأجهزة المعنية الأخرى- إلى التخطيط، والتطوير الشامل للمنطقة في المجالات العمرانية، والسكانية، والاقتصادية، والتنموية، والاجتماعية، والثقافية، والبيئية، والنقل، والبنية الأساسية، والبنية التحتية الرقمية،  وتهدف- كذلك- إلى توفير احتياجات المنطقة من الخدمات، والمرافق العامة.           وتتولى الهيئةُ- في سبيل تحقيق ذلك- المهماتِ، والاختصاصاتِ الآتيةَ:

  1. رسم السياسات العامة لتطوير المنطقة، وتنميتها.
  2. إعداد الخطط، والدراسات، والمخططات الإستراتيجية الشاملة للمنطقة، وبرامجها التنفيذية، وإقرارها، وتحديثها عند الحاجة.
  3. الإشراف المباشر على تخطيط البرامج، والمشروعات الإستراتيجية، وتصميمها، وتنفيذها، وما يتصل بها من أعمال التشغيل، والصيانة.
  4. مراجعة خطط التنمية، والبرامج، والمشروعات ذات الصلة بعمل الهيئة التي تعدها الأجهزة الحكومية، والهيئات، والمؤسسات العامة، والجمعيات، والمؤسسات الأهلية؛ وذلك بما يضمن تحقيق التنمية المتوازنة في المنطقة، وإقرارها.
  5. متابعة تخطيط مشروعات البنية الأساسية بالتنسيق مع الأجهزة المعنية.
  6. ترتيب أولويات تنفيذ البرامج، والمشروعات في المنطقة؛ بما يتفق مع خطط التنمية.
  7. متابعة تنفيذ البرامج، والمشروعات في المنطقة، واتخاذ ما يلزم لضمان تنفيذها؛ وذلك بالتنسيق مع الأجهزة المعنية، وتطبيق مؤشرات تحسين كفاية الأداء الحضري، وقياسه عليها في ضوء أهداف خطط التنمية المعتمدة.
  8. اقتراح نزع ملكية بعض العقارات؛ وذلك لتطوير المنطقة بالتنسيق مع أمانة المنطقة، وكذلك مع الأجهزة ذات العلاقة تَمْهِيدًا لاستكمال الإجراءات النظامية في شأنها.
  9. الإشراف على تأهيل الأحياء العمرانية القائمة؛ بما في ذلك الأحياء التاريخية، وتحسينها، ومعالجة الأحياء العشوائية، وتطويرها، والارتقاء بها عمرانيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، وأمنيًّا، وبيئيًّا، وإجراء ما يلزم لضمان تنفيذ ذلك.
  10. إعداد ضوابط البناء، واستعمالات الأراضي التي تسهم في تنفيذ مخططات تطوير المنطقة، وتنميتها، وإقرارها.
  11. مراجعة مخططات تقسيمات الأراضي، وإقرارها.
  12. إنشاء قاعدة بيانات، ونظم معلومات حضرية، وإدارتها؛ بحيث تكون منصة موحدة، ومرجعًا أساسًا للمعلومات التي تستند إليها الأجهزة ذات الصلة بتطوير المنطقة، وتنميتها.
  13. تنسيق الجهود، وتنظيمها بين الأجهزة ذات الصلة بتطوير المنطقة، وتنميتها؛ وفقًا للدراسات، والخطط المقرة.
  14. وضع البرامج، والأسس، والإجراءات اللازمة، والسبل المحفزة لمشاركة القطاع الخاص في تحقيق أهداف التنمية، وتنفيذ المشروعات، والخدمات في المنطقة، والإشراف عليها.

وللهيئة في سبيل تحقيق مهماتها، واختصاصاتها الاستعانة بما يلزم من الأجهزة الحكومية، وغيرها؛ بما في ذلك بيوت الخبرة، والكوادر المتخصصة، داخل المملكة، وخارجها؛ فيكون للهيئة مجلس يُشكل على النحو الآتي:

رئيسًا– أمير المنطقة
نائبًا للرئيس– نائب أمير المنطقة
عضوًا– رئيس اللجنة
عضوًا– الرئيس التنفيذي
عضوًا– أمين المنطقة
عضوًا– ممثل من وزارة الاقتصاد، والتخطيط
عضوًا– ممثل من وزارة المالية
عضوًا– ممثل من وزارة الشؤون البلدية، والقروية
عضوًا– ممثل من وزارة النقل
عضوًا– ممثل من وزارة الاتصالات، وتقنية المعلومات
عضوًا– مدير شرطة المنطقة
عضوًا– ممثل من الشركة السعودية للكهرباء
عضوًا– ممثل من شركة المياه الوطنية
عضوًا– وكيل أمين المنطقة للتعمير، والمشاريع
عضوًا– رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية، والصناعية في المنطقة
  • أربعة من أهالي المنطقة، أو من غيرهم يرشحهم رئيس المجلس، ويصدر بتعيينهم أمرٌ من رئيس مجلس الوزراء، وتكون مدة عضويتهم ثلاثَ سنواتٍ قابلةً للتجديد لمرة واحدة.

أعضاء:

  • يُضاف ممثل من وزارة الحج، والعمرة إلى عضوية كلٍّ من: مجلس هيئة تطوير منطقة مكة المكرمة، وعضوية مجلس هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة.
  • يُضاف ممثل من الهيئة الملكية للجبيل، وينبع إلى عضوية مجلس هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة، وعضوية مجلس هيئة تطوير المنطقة الشرقية.
  • يُضاف محافظ محافظة الأحساء، وممثل من شركة أرامكو السعودية إلى عضوية مجلس هيئة تطوير المنطقة الشرقية.
  • لرئيس المجلس بقرارٍ منه أن يضمَّ إلى عضوية المجلس مَنْ يراه من أمناء المحافظات في المنطقة.
  • يجب ألا يقل مستوى ممثلي الجهات الحكومية المشاركين في عضوية المجلس عن المرتبة (الخامسة عشرة)، أو ما يعادلها.

المجلس هو السلطة المسؤولة عن إدارة شؤون الهيئة، وتصريف أمورها، وله في حدود التنظيم اتخاذُ ما يراه مناسبًا من القرارات، والإجراءات اللازمة لتحقيق أهدافها، وعلى وجه خاص ما يأتي:

  1. إقرار السياسات العامة للهيئة، وخططها، وبرامجها التشغيلية، والتنفيذية.
  2. اقتراح تعديل التنظيم، ولوائح الهيئة المالية، والإدارية.
  3. إقرار هيكل الهيئة التنظيمي.
  4. إقرار مشروع ميزانية الهيئة، وحسابها الختامي، وتقرير مراجع الحسابات، والتقرير السنوي تمهيدًا لرفعها بحسب الإجراءات النظامية المتبعة.
  5. قبول التبرعات، والهبات، والأوقاف، والوصايا، والمنح؛ وفقًا للأحكام المنظمة لذلك.
  6. تعيين مراجع حسابات خارجي معتمد، ومراقب مالي داخلي.
  7. الموافقة على استثمار أموال الهيئة؛ بما يحقق أهدافها؛ وفقًا للأنظمة، والتعليمات المتبعة.
  8. تأسيس شركات، أو المشاركة في تأسيسها، أو الدخول فيها لتنفيذ المشروعات التي تحددها الهيئة؛ وذلك وفقًا للإجراءات النظامية ذات الصلة.
  9. إقرار خطط التنمية، والبرامج، والمشروعات ذات الصلة بعمل الهيئة التي تُعِدُّهَا.
  10. إقرار الخطط، والدراسات، والمخططات الإستراتيجية الشاملة للمنطقة، وبرامجها التنفيذية، وتحديثها عند الحاجة.
  11. إقرار ضوابط البناء، واستعمالات الأراضي.
  12. إقرار مخططات تقسيمات الأراضي.

رابعًا – هيئات تطوير المناطق:

هيئات تطوير المناطق، والمدن، ومكاتبها تسعى لوضع إستراتيجيات لتطوير الهيئة الاستثمارية للمناطق، والمدن؛ حتى تكون جاذبة للاستثمارات بالشراكة مع القطاع الخاص؛ وذلك في إطار رؤية ولي العهد لإحداث تنمية شاملة، ومستدامة في جميع مناطق المملكة؛ من خلال تعظيم الاستفادة من الميزات النسبية لكل منطقة، والتوسع في توفير الفرص الوظيفية لأبناء جميع مناطق المملكة.

هذا إضافة إلى رفع جودة الحياة، والارتقاء بالخدمات الأساسية، والبِنَى التحتية في جميع مناطق المملكة، ومدنها؛ حتى تطال التنمية الشاملة جميع مناطق المملكة، ومدنها، وخلق اقتصاد مزدهر، ومجتمع حيوي لوطن طموح، ويُعنى بكل مكونات التنمية في المناطق، والمدن؛ بحيث يُركز على استثمار المقومات التنموية التي تزخر بها كل منطقة، ومدينة لتحقيق أعلى استفادة منها، وتحويلها إلى عناصر داعمة للاقتصاد، وتحفيز القطاع الخاص، وإشراكه في تنمية المكونات المكانية فيها، وحاليًّا يُوجد عدد من الهيئات التي تُعْنَى بالمناطق، والمدن، وهي كما يأتي:

  • الهيئة الملكية لمدينة الرياض.
  • الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة.
  • هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة.
  • الهيئة الملكية لمحافظة العلا.
  • هيئة تطوير منطقة عسير.
  • هيئة تطوير المنطقة الشرقية.
  • هيئة تطوير ينبع، وأملج، والوجه، وضباء.
  • هيئة تطوير الطائف.
  • هيئة تطوير الأحساء.
  • هيئة تطوير منطقة الباحة.
  • هيئة تطوير منطقة الجوف.
  • هيئة تطوير منطقة جازان.

ولا يخفى أن مناطق المملكة تتمايز؛ فعلى سبيل المثال:

  • تبرز منطقة (الباحة)؛ بكونها من أهم المناطق السياحية في المملكة، وتضيم عددًا كبيرًا من الغابات، وتشتهر بـــ (غابة رغدان)، ومنتزهات (القمع، والشكران)، هذا بالإضافة إلى قرية (ذي عين الأثرية)، والعديد من القرى، والحصون.
  • وتتميز منطقة (الجوف) بأنها أقدم مناطق الاستيطان في شبه الجزيرة العربية الذي يعود إلى فترة العصر الحجري القديم، هذا بالإضافة إلى أنها تُعدَ من أخصب المناطق الزراعية بالمملكة؛ وذلك في ظل اعتدال مناخها صيفًا، ووفرة المياه الجوفية العذبة فيها.
  • وتمتاز منطقة (جازان) بالقطاع اللوجستي، والزراعي، والتراثي، وتضم (ميناء جازان) الذي يُعد ثالث موانئ المملكة على ساحل البحر الأحمر؛ من حيث السعة، وتحتضن آثارًا يرجع تاريخها إلى ثمانية آلاف سنة قبل الميلاد.

خامسًا – هيئات تطوير المدن:

كما أن للمدن الرئيسة في المملكة دورًا جوهريًّا لتحقيق طموحات رؤية المملكة 2030م، ولنأخذ مثالاً الهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض؛ حيث تأسست الهيئة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (717)، وتاريخ 29 جمادى الأولى 1394ه؛ وذلك لإيجاد سلطة مشتركة تتولى مسؤولية التطوير الشامل لمدينة الرياض بأبعاده الحديثة في إدارة المدن الكبرى، وتطويرها، وإيجاد قيادة موحّدة لأعمال التطوير لدى جميع الجهات العاملة في المدينة، والهيئة تخضع لتنظيم “هيئات تطوير المناطق، والمدن”؛ وذلك بموجب قرار مجلس الوزراء الموقر رقم (475)، وتاريخ 7 رمضان 1439ه الذي نص على أن “هيئة تطوير مدينة الرياض” سلطة مشتركة تتمتع بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال المالي، والإداري، وترتبط- تنظيميًّا- برئيس مجلس الوزراء.

كما صدر الأمر السامي رقم (470/1)، وتاريخ 29 ذي الحجة 1440ه الذي نص على: أن تُحوّل “هيئة تطوير مدينة الرياض” إلى هيئة ملكية باسم “الهيئة الملكية لمدينة الرياض”، وأن تنقل جميع المهمات المتعلقة بالمشروعات الوطنية الكبرى بالرياض من “لجنة المشروعات الوطنية الكبرى” إلى “الهيئة الملكية لمدينة الرياض”، وصدر كذلك الأمر السامي رقم (أ/312)، وتاريخ 29 ربيع الآخر 1441ه القاضي بالموافقة على الترتيبات التنظيمية للهيئة الملكية لمدينة الرياض، ويرأس مجلس إدارة الهيئة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز- حفظه اللّه- ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ويضم المجلس في عضويته كلاًّ من:

  • صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض.
  • صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز، وزير الداخلية.
  • صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز، نائب أمير منطقة ‏الرياض.
  • ‏صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن محمد بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة.
  • صاحب السمو الأمير فيصل بن عبدالعزيز بن عياف، أمين منطقة الرياض.
  • معالي الدكتور ماجد بن عبداللّه القصبي، وزير التجارة.
  • معالي الأستاذ ماجد بن عبداللّه الحقيل، وزير الشؤون البلدية، والقروية، والإسكان.
  • معالي المهندس عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي، وزير البيئة، والمياه، والزراعة- رئيس ‏مجلس إدارة شركة المياه الوطنية.
  • معالي الأستاذ محمد بن عبدالله الجدعان، وزير المالية.
  • معالي الأستاذ فيصل بن فاضل الإبراهيم، وزير الاقتصاد، والتخطيط.
  • معالي المهندس عبداللّه بن عامر السواحة، وزير الاتصالات، وتقنية المعلومات.
  • معالي المهندس صالح بن ناصر الجاسر، وزير النقل، والخدمات اللوجستية.
  • معالي الأستاذ بندر بن إبراهيم الخريف، وزير الصناعة، والثروة المعدنية.
  • معالي المهندس خالد بن عبدالعزيز الفالح، وزير الاستثمار.
  • معالي المهندس إبراهيم بن محمد السلطان، عضو مجلس إدارة الهيئة الملكية لمدينة الرياض.
  • معالي الأستاذ ياسر بن عثمان الرميان، عضو مجلس إدارة الهيئة الملكية لمدينة الرياض.
  • معالي الدكتور خالد بن صالح السلطان، رئيس مجلس إدارة الشركة السعودية للكهرباء.

‏          وتعمل الهيئة- حاليًّا- على إعداد إستراتيجية شاملة لتطوير مدينة الرياض حتى العام 2030م؛ حيث من المتوقع أن ينمو عدد سكان المدينة من حوالي (8) ملايين- حاليًّا- (العام 2023م) إلى (-15 20) مليونًا في العام 2030م، وتشرف الهيئة على تنفيذ المخطط الشامل للمدينة، وتقوم على تنفيذ العديد من المشاريع الرئيسة التي تعمل عليها الهيئة- حاليًّا، مثل: (مشروع المسار الرياض)، و(مشروع الرياض آرت)، ومشروع الملك عبدالعزيز للنقل العام، ومشروع الرياض الخضراء، ومشروع حديقة الملك سلمان، وبرنامج التأهيل البيئي لــ (وادي حنيفة)، وبرنامج تطوير الدرعية التاريخية، وبرنامج تطوير حي السفارات، ومشروع تطوير منطقة قصر الحكم، ومشروع مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، ومن مبادرات الهيئة: ملف استضافة الرياض لمعرض “إكسبو” 2030م الذي تنافست على استضافته- بالإضافة إلى المملكة- كوريا الجنوبية، وإيطاليا، وأوكرانيا، وروسيا.

‏سادسًا – مركز دعم هيئات تطوير المناطق:

يتمتع المركز بالشخصية الاعتبارية العامة، وبالاستقلال المالي، والإداري؛ بحيث تكون للمركز ميزانية سنوية مستقلة تُعد، وتصدر وفق ترتيبات إصدار الميزانية العامة للدولة، ويرتبط- ‏تنظيميًّا- برئيس مجلس الوزراء، ويتولى المركز -دون إخلال باختصاصات الجهات الأخرى، ومسؤولياتها- المهمات، والاختصاصات الآتية:

  • التنظيم، والتنسيق، وتحقيق التكامل بين هيئات التطوير والمكاتب الإستراتيجية، ومتابعة ما تقدمه من أعمال.
  • وضع الأسس، وتوحيد المرجعية؛ وذلك لمتابعة إعداد الأكواد العمرانية للمناطق، والمدن المختلفة على مستوى المملكة.
  • العمل على التخطيط، والتصميم العمراني، وبناء القدرات، وتطوير الأدلة، والمعايير العمرانية.
  • دعم هيئات التطوير، والمكاتب الإستراتيجية في تطوير مؤشرات الأداء الرئيسية للتخطيط، والتطوير؛ مما يمكنها من استخدامها بشكل فعال لرصد التقدم، والتطوير لديها.
  • الإشراف على تطوير قدرات هيئات التطوير، والمكاتب الإستراتيجية، وإمكاناتها، وتقديم الدعم اللازم لذلك.
  • مراجعة الخطط، والرؤى الإستراتيجية لهيئات التطوير، والمكاتب الإستراتيجية؛ بما يكفل مواءمتها؛ وذلك قبل اعتمادها.
  • وضع الأطر، ونماذج الحوكمة الداخلية لهيئات التطوير، والمكاتب الإستراتيجية، والإشراف على تنفيذها.
  • مواءمة رؤى هيئات التطوير، والمكاتب الإستراتيجية، وتوجيهاتها مع رؤية المملكة، وبرامجها؛ وذلك من خلال التنسيق مع برامج الرؤية.
  • دراسة ما يُحال إليه من موضوعات تنموية متعلقة بهيئات التطوير، والمكاتب الإستراتيجية، ووضع الحلول، والتوصيات اللازمة لها.

سابعًا – الختام، والتوصيات:

تأخذ رؤية المملكة 2030م منحى مختلفًا نوعًا لتحقيق التنمية المناطقية؛ وذلك من خلال التخلي عن النهج المركزي الذي كان معمولًا به سابقًا إلى نهج يفوض مسؤوليات واسعة لتنمية المناطق لهيئات تطوير المناطق، والمدن، وتخضع تلك الهيئات لأمرين رئيسين، هما:

  • الحوكمة بتطبيق تنظيم يبين المهام، والاختصاصات.
  • الاعتماد على تخطيط إستراتيجي بعيد المدى يُقَرُّ، ويجب على الهيئة تنفيذه.

مبرر اللامركزية هو تنوع المزايا النسبية من منطقة إدارية لأخرى؛ مما يتطلب وضع إستراتيجية لكل منطقة تنسجم مع القدرات، والمزايا النسبية، والسعة الاقتصادية للمنطقة؛ وبذلك تأخذ التنمية المناطقية بُعْدًا اجتماعيًّا-اقتصاديًّا يطمح لتحقيق الاستدامة من خلال تعظيم دور القطاع الخاص؛ من حيث الضخ الاستثماري، وخلق الوظائف.

وأخذًا في الاعتبار أن المملكة تحتضن مكة المكرمة، والمدينة المنورة؛ فقد خصصت لكل منهما هيئة ملكية تختص بها، وكذلك للعاصمة الرياض؛ باعتبار أهميتها السياسة، والاقتصادية، وكذلك بعض المدن التي تتمتع بمزايا يمكن توظيفها اقتصاديًّا، مثل: العلا، والأحساء؛ فقد خصصت لكل منهما هيئة ملكية للتطوير.

أما الإطار الضابط لحراك تلك الهيئات من الناحية الإدارية؛ فهو مركز دعم تطوير هيئات المناطق الذي يهدف إلى النهوض بجميع الأعمال، والخدمات، والمشاريع التي تقوم بها هيئات التطوير، والمكاتب الإستراتيجية؛ وذلك من خلال تقديم الدعم الشامل لأعمال التخطيط، والتطوير في المجالات الحضرية، والديموغرافية، والاقتصادية، والتنموية، والاجتماعية، والثقافية، والبيئية، والنقل، والبنية التحتية الرقمية؛ بما يسهم في تمكين هيئات التطوير، والمكاتب الإستراتيجية من القيام بأدوارها، ومسؤولياتها.

التوصيات:

  • تحتم الاستفادة من اقتصاديات المكان تصميم حزم سياسات تتصل بتعظيم الأثر الاجتماعي- الاقتصادي؛ حتى يشمل- جغرافيًّا- جميع مدن المملكة، ويكتسب هذا الأمر أهمية متزايدة مع تزايد الترابط فيما بين المواقع الجغرافية من جهة، وترابط الاقتصاد السعودي مع محيطه الإقليمي، وتأثيره العالمي من جهة أخرى؛ حيث تتصاعد أهمية البعد المكاني للأنشطة الاقتصادية؛ فيما توفر دراسات الاقتصاد المكاني الأدوات التحليلية لاستيعاب التعقيدات في علاقات الاقتصاد العالمي، وصلة الاقتصاد السعودي به؛ بل وصلة المناطق، والأماكن السعودية بهذا الاقتصاد العالمي المترابط؛ مما يضمن مساهمة كل ذلك في نمو الاقتصاد المحلي، وزيادة مرونته، وتعزيز مستوى تعقيد منتجاته، وخدماته؛ وبالتالي تعزيز تنافسيته، وقيمته المضافة للاقتصاد، ومحتواه المحلي.
  • تعزيز البحث العلمي؛ وذلك بإطلاق مجلة علمية مُحَكَمة عن الاقتصاد المكاني، وتصميم برامج تركيز أكاديمي على دراسات الاقتصاد المكاني؛ بتطوير مقررات لتدريسه منهجيًّا بصورته العامة، وفيما يتصل بسياساته، وتطبيقاته في المملكة العربية السعودية، وربط تلك الدراسات بمعطيات التقنية؛ بما في ذلك التحاليل القائمة على البيانات الضخمة، ونظم المعلومات الجغرافية، وتقنيات النمذجة المكانية.
  • التعقيبات:

التعقيب الأول – د. محمد الزهراني

مقدمة:

إن تناول موضوع الاقتصاد المكاني بهذا العمق، وبتلك الدقة يعكس فهمًا عميقًا لأهمية توزيع الأنشطة الاقتصادية بشكل عادل، وفعّال، وكيفية تحقيق الاستفادة القصوى من المزايا النسبية التي تمتلكها كل منطقة، كما أن استعراض النماذج الاقتصادية المختلفة، وتطبيقها على السياق السعودي يوضح مدى دقة البحث، والجهد المبذول في الورقة الرئيسة.

وتنبع أهمية موضوع الورقة حول الاقتصاد المكاني، ودوره من أهمية تعزيز فعالية السياسات الاقتصادية، وتحقيق التنمية المستدامة، كما أشار الكاتب لها من خلال تطوير المناطق، واستثمار المزايا النسبية لكل منطقة؛ من أجل تحقيق التنمية المتوازنة.

أهمية الاقتصاد المكاني:

الاقتصاد المكاني بمفهومه العام يركز على توزيع الأنشطة الاقتصادية في منطقة معينة، وتأثيرها على التنمية، وكما ركز الكاتب، وأشار إلى أن هناك حاجة لتحليل الاقتصاد المكاني؛ وذلك بسبب تأثيره على استقرار الاقتصاد، وزيادة نموه، وهذا يُعد نقطة في غاية الاهتمام؛ حيث إن كل منطقة في مملكتنا الغالية تتميز بمزايا تنافسيه ممتازة، لو تم اكتشافها، وتسليط الضوء على مردودها الاقتصادي سوف تكون رافدًا كبيرًا في التنمية المستدامة فيها، وقد عرض الكاتب، وتناول أهمية الاقتصاد المكاني في عدة نقاط، هي معالجة التفاوتات الإقليمية، وتخطيط البنية التحتية للنقل، والاستدامة البيئية.

دور الاقتصاد المكاني في رؤية السعودية 2030م:

الاقتصاد المكاني يُعتبر جزءًا أساسيًا في تحقيق رؤية السعودية 2030م؛ إذ يهدف إلى تحقيق التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة، وتنويع النمو الاقتصادي عن طريق تطوير المناطق، وتنميتها؛ بما يتوافق مع المزايا التنافسية لكل منطقة، وهذا يتضمن تحليل كيفية استغلال المزايا الطبيعية، والاقتصادية للمناطق، واستثمارها بطريقة تُعزز التنمية المستدامة.

نماذج الاقتصاد المكاني:

تناقش الورقة عدة نماذج للاقتصاد المكاني، مثل: نموذج (كروجمان) للاقتصاد المكاني الذي يوضح تأثير تكلفة النقل، وتنوع المنتجات على توزيع الأنشطة الاقتصادية، كما يشير النموذج إلى أهمية تحديد مواقع الأنشطة الاقتصادية؛ وذلك بناءً على المزايا النسبية، وتكلفة النقل؛ مما يعزز من التجمعات الاقتصادية، ويؤثر على التنمية الإقليمية.

ومن أبرز المواضيع التي جذبت الانتباه في هذه الورقة هو التركيز على كيفية استغلال المزايا النسبية لكل منطقة في المملكة؛ وذلك لتحقيق التنمية المتوازنة، ويتناول الكاتب- بعمق- أهمية فهم توزيع الأنشطة الاقتصادية عبر المناطق المختلفة، واستخدام هذا التوزيع؛ بوصفه أداة فعالة لتعزيز التنمية الاقتصادية.

هذا الموضوع مهم- بشكل خاص- لأنه يسلط الضوء على ضرورة النظر إلى كل منطقة في المملكة؛ بصفتها كيانًا فريدًا بموارد، ومزايا تنافسية خاصة بها، ومن خلال استغلال هذه المزايا- بشكل إستراتيجي- يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز الاقتصاد الوطني.

وإنني أتفق مع الكاتب أن السياسات تؤدي دورًا جوهريًّا في التأثير على التجمعات المكانية التي تمتلك الميزة النسبية، والتنافسية؛ فعلى سبيل المثال: منطقة الباحة؛ بصفتها إحدى الوجهات السياحية المهمة في المملكة التي تمتلك الكثير من المقومات الممتازة لخلق اقتصاد سياحي؛ حيث إن منطقة الباحة تشتهر بجمال طبيعي فريد؛ إذ تضم غابات كثيفة، وجبالًا شاهقة، وأودية ساحرة تحمل تاريخًا عريقًا يتجلى في النقوش، والرسوم القديمة، وتعتبر المنطقة وجهة سياحية متكاملة تقدم تجارب مميزة للزوار؛ بدءًا من الأسواق الشعبية، والمتاحف التاريخية إلى المغامرات الجبلية، وزيارات الحدائق الخلابة.

ومع الرؤية الطموحة الساعية لإحداث تغير شاهدنا كيف تدفق الكثير من السياح من الداخل، والخارج لمنطقة الباحة في السنوات الأخيرة، والسبب يعود لتغير في بعض السياسات، والإجراءات في الاستثمار السياحي، ومنها: تعظيم الأثر في الاستثمار في الموروث الثقافي، والتاريخي للمنطقة، مثل: الاستثمار في المتاحف، وفتح المجال، وتمكين المواطنين من سكان منطقة الباحة الأصليين، والمالكين للمزارع من بدء الاستثمار في مزارعهم بطرق مختلفة، منها: السكن الريفي، والأكواخ، والتخييم، والمزارع المتخصصة في منتجات تتميز بها منطقة الباحة، وهذا شجع المواطنين الأصليين، وجعلهم يشاركون- بشكل أساسي- في الاقتصاد السياحي الذي كانت الدولة بشكلٍ، أو آخر هي التي ترعاه، أو هي التي تتولي إقامة المناشط، والفعاليات السياحية، كما يتم العمل على حل بعض الإشكاليات التي كانت تواجه السائح، والزائر لمنطقة الباحة في عدم توفر المسكن (الغرف الفندقية، والشقق المخدومة) التي كانت، ولا زالت أحد أهم المعوقات السياحية في المنطقة.

ومن التوصيات التي قدمتها الورقة، وأتفق معها، وقد تمت الإضافة إليها القليل كالآتي:

  • تعزيز دراسات الاقتصاد المكاني: ينبغي التركيز على الدراسات المتعلقة بالاقتصاد المكاني؛ وذلك لفهم التوزيع الأمثل للأنشطة الاقتصادية في المملكة، وهذا يتطلب استخدام الأدوات التحليلية المناسبة لدراسة العلاقات الاقتصادية بين المناطق، والاستفادة من البيانات الضخمة، وتقنيات التحليل المكاني.
  • تصميم سياسات متوازنة: تحتاج السياسات الاقتصادية إلى تصميم يعزز التنمية المتوازنة بين المناطق، هذا مع التركيز على استثمار المزايا النسبية لكل منطقة، وهذه السياسات يجب أن تستهدف تقليل التفاوتات الإقليمية، وتعزيز التكامل بين الأنشطة الاقتصادية.
  • تنمية المناطق الخاصة: التركيز على إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة، وتنميتها التي تستغل المزايا التنافسية للمناطق المختلفة في المملكة، وهذا يتضمن دعم الابتكار، والاستثمار في البنية التحتية، والنقل.
  • إطلاق مجلة علمية: يقترح الكاتب إطلاق مجلة علمية متخصصة في دراسات الاقتصاد المكاني، وتطوير برامج أكاديمية لتعزيز الوعي، والفهم بأهمية هذا الفرع من الاقتصاد.

الخاتمة:

الورقة توضح كيف يمكن للاقتصاد المكاني أن يؤدي دورًا حاسمًا في تعزيز النمو الاقتصادي وتحقيق رؤية 2030م من خلال تعزيز التكامل بين المناطق، وتقليل التفاوتات الإقليمية، وتوفير فرص عمل جديدة؛ وذلك من خلال فهم الاحتياجات، والموارد الفريدة لكل منطقة، ومن خلال تطبيق مبادئ الاقتصاد المكاني يمكن تعزيز التنمية المتوازنة بين المناطق، وتحقيق الاستدامة الاقتصادية، ويشدد الكاتب على ضرورة تبني سياسات تعزز استغلال المزايا النسبية لكل منطقة، وتطوير الأدوات التحليلية، والدراسات لتحقيق هذا الهدف.

التعقيب الثاني – د. ناصر القعود

تضمنت الورقة الرئيسة بيانًا للجهود التي قامت بها المملكة لإقرار السياسات، وإصدار البرامج ذات العلاقة باقتصاديات المكان، أو الاقتصاد الإقليمي الهادفة لتحقيق تنمية إقليمية متوازنة لمختلف مناطق المملكة، كما تناولت الورقة الدور الفاعل للاقتصاد المكاني في معالجة التفاوتات الإقليمية، وتحديات التخطيط الحضري، ومتطلبات البنية التحتية للنقل، والخدمات اللوجستية الأخرى، وتحقيق الاستدامة البيئية؛ حيث بينت الورقة قدرة الاقتصاد المكاني على فهم، وتفسير كيفية أن تُجمع بعض الأنشطة الاقتصادية، والشركات، والسكان في مناطق معينة دون غيرها؛ مما سيؤدي إلى تفاوت المناطق في التنمية، وقيام الأنشطة الاقتصادية، وأن إيجاد تنمية إقليمية (مناطقية) يتطلب استثمارًا في الموارد، والمزايا النسبية لتلك المناطق.

وذكر كاتب الورقة أن صانعي السياسات العامة، والمنظمات الدولية يسعون إلى توظيف التحليل الاقتصادي المكاني للوصول إلى تنمية إقليمية متوازنة، واقتصاد مستدام، وأكثر كفاءة، وأقرب للعدالة؛ مما يعزز الاستقرار الاجتماعي، والنمو الاقتصادي، وقد عُنيت رؤية المملكة ٢٠٣٠م بذلك؛ حيث اهتمت بالتوزيع الجغرافي للأنشطة الاقتصادية، وفق معايير تأخذ في الاعتبار تكاليف النقل، وتكاليف الإنتاج في ضوء اقتصاديات الحجم، وبما يحقق تنوع مصادر الدخل.

كما استعرضت الورقة النماذج المبنية على التحليل الاقتصادي المكاني، وكيف استفادت رؤية المملكة من هذه النماذج؛ وذلك بالتركيز على المزايا النسبية، والتنافسية لمختلف مناطق المملكة، وما تتمتع به هذه المناطق من ثروات طبيعية، وموقع جغرافي متميز.

وانطلاقًا من الرؤية، وسعيًا للتوازن في تنمية مناطق المملكة، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز نمو الاقتصاد قررت المملكة الآتي:

  • إنشاء هيئات التطوير في عدد من مناطق المملكة مطالبة كل هيئة بتقديم إستراتيجية لتطوير اقتصاد كل منطقة؛ وذلك انطلاقًا مما تملكه من مزايا نسبية، وموارد بشرية، وطبيعية.
  • إطلاق أربع مناطق اقتصادية خاصة، هي:
  • المنطقة الاقتصادية الخاصة بمدينة الملك عبدالله الاقتصادية.
  • المنطقة الاقتصادية الخاصة برأس الخير.
  • المنطقة الاقتصادية الخاصة بجازان.
  • المنطقة الاقتصادية الخاصة بالحوسبة السحابية، والمعلوماتية بالرياض.
  • إطلاق عدد من المشاريع الكبرى لتعزيز اقتصاد هذه المناطق، والعمل على نمو الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها: نيوم، وبوابة الدرعية، ومشروع البحر الأحمر.

وقد أفاض كاتب الورقة في بيان تنظيم هيئات تطوير المناطق، والمدن، ومهامها، وتشكيل مجالس إداراتها، ودور هذه المجالس، وصلاحياتها، والقائم منها حاليًّا، وأشار بتفصيل للهيئة الملكية لمدينة الرياض ذاكرًا تشكيل مجلس إدارتها، والمشاريع التي تشرف عليها.

واختمت الورقة بالتوصية بالاستفادة من الاقتصاد المكاني في تصميم سياسات تساهم في نمو الاقتصاد المحلي، وتعزيز تنافسيته، وقيمه المضافة في إطار علاقته بالاقتصاد العالمي، وأوصى كذلك بالاهتمام بالاقتصاد المكاني على الصعيد الأكاديمي؛ ليتم تطبيق أدواته التحليلية، والاستفادة منها في السياسات الاقتصادية ذات العلاقة بالاقتصاد السعودي.

ولاشك أن اقتصاديات المكان، وشمول التنمية لكل الأقاليم (المناطق) كانت، وما تزال موضع اهتمام علم الاقتصاد بجانبيه: الاقتصاد الجزئي، والاقتصاد الكلي، وتطور هذا الاهتمام ليستقل بتخصصات متعددة، مثل: الاقتصاد الإقليمي، والاقتصاد الحضري، وتطور أكثر، وبات يسمى الاقتصاد المكاني، وتفرع منه الاقتصاد المكاني القياسي.

ومن الجدير بالفخر، والإشادة ما توصلت إليه رؤية المملكة ٢٠٣٠م من إصلاحات اقتصادية هيكلية تمثلت في تنويع مصادر الدخل في الاقتصاد، ورفع تنافسيته مع الاهتمام الملموس بأن تشمل التنمية بأبعادها الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية كل مناطق المملكة، ومدنها، واقتناص الفرص لاستثمار المزايا النسبية، والتنافسية في كل منطقة، ومدينة.

وفي الختام أود تأكيد أهمية إصدار تقارير منتظمة، ونشرها من قبل هيئات تطوير المناطق، والمدن، ومن قبل مركز الدعم لهيئات تطوير المناطق التي توضح ما تم تنفيذه، وما سيتم؛ حتى يطلع عليها المجتمع، ويناقشها، ويتفاعل معها، ويسعى إلى دعمها، والاستثمار فيها.

التعقيب الثالث – د. سمر الوهيبي

تناولت الورقة الرئيسية موضوع الاقتصاد المكاني، ودوره في تحقيق رؤية المملكة 2030م؛ حيث أوضحت المبادئ التي يستند عليها علم الاقتصاد المكاني، ومدى إمكانية الاستفادة منها، وتوظيفها للوصول إلى الأهداف المرجوة من رؤية 2030م؛ فوفقًا للورقة الرئيسية؛ فإنه لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030م يجب الأخذ بالاعتبار تنوع المناطق الإقليمية من ناحية تضاريسها، وفرادتها النسبية، والتنافسية، واستغلال ثرواتها الطبيعية الاستغلال الأمثل لصالح تحقيق تلك الأهداف بالتزامن بين التنمية المناطقية والمناطق الاقتصادية الخاصة، والمشاريع العملاقة لتعزيز الاقتصاد المكاني، وتقليل الفوارق الإقليمية.

وتحديدًا؛ فعندما نقوم بتفحص التوزيع المناطقي للنشاط الاقتصادي سيلاحظ أنه قد يكون مُرَكَّزًا بمناطق محددة، أو مشتتًا بين المناطق؛ فالنشاط الاقتصادي له قوتان: قوة تركزه بمنطقة واحدة، وقوة تشتته، وتوزعه بين المناطق المختلفة، والشد، والجذب بين هاتين القوتين يعتمد على تكلفة النقل عندما ينتج بمكان، ويستهلك بمكان، واقتصاديات الحجم عندما ترتفع الإنتاجية تقل تكلفة الوحدة الواحدة منها، والرغبة بتنوع المنتجات.

وللاقتصاد المكاني أهمية بالغة لتحقيق مستهدفات الرؤية؛ فهو أحد فروع علم الاقتصاد المختص بدراسة الفوارق الإقليمية، وتكلفة النقل، وتأثير المكان (الموقع الجغرافي) على الأنشطة الاقتصادية؛ فرفاهية الناس تتأثر بسهولة تنقل السلع، وعوامل الإنتاج، وكذلك تتأثر قرارات الشركات، والمستهلكين بالتقلبات التي تحدث في تكلفة النقل على اختيار الموقع الجغرافي لمقراتهم، وحجم الهجرة، والانتقال بين المدن.

وعندما يحدث توزيع للنشاط الاقتصادي، أو تشتته بين المناطق يسهم ذلك في التطوير المناطقي، أو تطوير المدن المختلفة مع مراعاة خصوصية كل منطقة، وثرواتها الطبيعية، وإمكانياتها الخاصة، وعلى العكس لو كان النشاط الاقتصادي مركزًا في مدن محددة، أو مناطق محددة؛ فذلك له تأثير من زاوية أخرى؛ فالحاجة إلى القرب المكاني مهمة جِدًّا لعملية الابتكار؛ وفقًا لنظرية (شومبيتر)؛ فقرب الباحثين، أو العلماء، أو الأفراد، أو الشركات، أو المؤسسات من بعضهم يزيد من احتمالية حدوث الابتكار، وبعدهم عن بعضهم البعض يقلل من هذه الاحتمالية؛ فالآثار الإيجابية التي تنتج عن تجمع الشركات، والمؤسسات في مكان واحد، مثل: تقليل تكاليف النقل، وسهولة الحصول على الموارد المختلفة، وتبادل المعرفة، والخبرات تعزز الابتكار، والتعاون بين الشركات، والصناعات المختلفة؛ بما يعزز الحاجة لوجود مناطق اقتصادية خاصة لتحقيق هذا الأثر الإيجابي.

ومن ناحية أخرى؛ فإن الاهتمام بتطوير المناطق يزيد من تنافسية الشركات المحلية على المستوى العالمي؛ وذلك للاستفادة من مميزات كل منطقة، وفرادتها الطبيعية، ومن هذا المنطلق؛ فإن اهتمام المملكة العربية السعودية بتنمية المناطق، وتطويرها من خلال الهيئات الملكية، وهيئات تطوير المدن يعكس بالفعل إدراكها لتبعات هذا التطوير على النشاط الاقتصادي المناطقي، وانعكاس تلك السياسات عليه، وكذلك الاهتمام بالاقتصاد المكاني؛ من حيث الاهتمام بتحسين شبكات النقل، والخدمات اللوجستية، وتخفيض تكلفة النقل يخلق بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، ونمو مساهمة القطاع الخاص، وهي إحدى أهداف الرؤية.

وبالرغم من أهمية الاقتصاد المكاني لفهم التنمية الاقتصادية، والاجتماعية؛ فهو فرع شبه مهمل من فروع علم الاقتصاد، ولا نكاد نجده ضمن المقررات المتخصصة لتدريس طلبة الاقتصاد، ولا يكثر الحديث عنه ضمن الموضوعات المعاصرة في الاقتصاد؛ وذلك قد يكون بسبب حداثة إنشائه، أو بسبب العوامل المشوشة على فهم تأثير الاقتصاد المكاني على الرفاهية، والتنمية الاقتصادية، والاجتماعية، مثل: وفورات الحجم عند قرب الخدمات لبعضها، وعلاقتها المتبادلة مع تكلفة إنشاء البنية التحتية لشبكات النقل عند بعد الخدمات عن بعضها؛ لذلك أتفق مع كاتب الورقة الرئيسة في ضرورة تضمين هذا العلم بشكل أكبر في تعليم الاقتصاد، والاستفادة من مبادئه؛ حيث يمكن توظيف علم الاقتصاد المكاني للتعرف على عوامل قوى التشتت، والجذب للأنشطة الاقتصادية، والقوى البشرية، وتحليل تلك العوامل، واستخدامها بشكل مدروس؛ بما يساعد أصحاب القرار بتحديد أهدافهم بدقة؛ وفقًا لرؤية المملكة 2030م.

  • المداخلات حول القضية:
  • أوجه التقاطع، والتمايز بين الاقتصاد المكاني والاقتصاد الإقليمي:

الاقتصاد المكاني هو فرع من فروع الاقتصاد يدرس أسباب توزيع الأنشطة الاقتصادية جغرافيًّا، وكيفية ذلك؛ حيث يركز على العلاقة بين الموقع الجغرافي والموارد، والأنشطة الاقتصادية؛ بمعنى: أنه يوضح أسباب تمركز بعض الأنشطة الاقتصادية بموقع معين دون الآخر، وبالطبع فإن التقدم التكنولوجي يؤدي دورًا مهمًّا في إعادة تشكيل المعطيات المؤثرة على الاقتصاد المكاني؛ وذلك من خلال تخفيض تكاليف النقل مثلاً، وتحسين الوصول للأسواق، والموارد.

والاقتصاد المكاني يُعني بتأثير المساحة (بعد/ قرب المكان) على الأداء الاقتصادي، وهو فرع جديد نسبيًّا (حوالي 3-4 عقود)؛ فقد يكون المكان عبقريًّا؛ من حيث المزايا الاقتصادية، لكن قصور الموارد من مالٍ، ومواردَ بشريةٍ، وتقنيةٍ تحول دون استغلاله، والأمثلة عديدة على ذلك، منها: حقل (شيبة) الذي كان تجهيزه معجزة هندسية، وما نحن فيه الآن، مثل: (القدية)، أو (نيوم) كانا فارغين من أي نشاط إنساني، والآن المخطط أن يصبحا نقطتي جذب اقتصادي هائلتين، وهناك فرع أكثر اهتمامًا باقتصادات الأقاليم يسمى الاقتصاد الإقليمي.

والاقتصاد المكاني يُعنى بإيجاد “حياة اقتصادية” قابلة للاستدامة، نعم قد يعني ذلك استيطانًا، أو نزوحًا كما حدث في المنطقة الشرقية؛ فقامت على إثر ذلك المدن الثلاث: الظهران، والدمام، والخُبر، ولا ننسى (الثقبة)؛ وذلك لتشكل ثالث أكبر تجمع سكاني في المملكة، ولكن ذلك لم يحدث من عدم؛ بل لمستجد جوهري، وهو اكتشاف النفط، والتنقيب عنه، وإنتاجه إلى آخر سلسلة القيمة، وبالتأكيد كان لذلك التغيير المزلزل تأثير على حواضر مستقرة منذ آلاف السنين، مثل: الأحساء، والقطيف؛ فكان هناك نزوح من أبناء المزارعين للعمل في صناعة النفط.

وحَقْلَا الاقتصاد الإقليمي (Regional economics)، والاقتصاد المكاني (Spacial economics) يتقاطعان في نواحي عدة، لكن ثمة نقاط تمايز؛ فتركيز الاقتصاد الإقليمي تطبيقي بطبيعته، مع التركيز على الخصائص المحددة، ومسارات التنمية في مناطق بعينها، أو لعددٍ من المناطق، ويدرس التفاوتات، والتداخلات السياسية داخل مناطق محددة جغرافيًّا، في حين يهتم الاقتصاد المكاني- في المقام الأول- بالجوانب النظرية لكيفية تأثير المكان، والموقع على النشاط الاقتصادي من خلال التعمق تحليليًا في الأسباب الكامنة وراء تكوين المدن، والتجمعات الصناعية، والفوارق الإقليمية من خلال دراسة العوامل المؤثرة في جدواها، مثل: تكاليف النقل، ووفورات الحجم.

وهكذا فإن دراسات الاقتصاد المكاني هي دراسات متقدمة تصلح للمراحل الدراسية المتقدمة بعد أن يكون تكوين الدارس قد اكتمل، وأصبح “صندوق” أدواته التحليلية يؤهله للتعامل مع متطلبات الدراسات المكانية.

  • الاقتصاد المكاني، وتحقيق أغراض التنمية في المملكة:

إن تطور دور المكان في النظرية الاقتصادية من مفهوم مجرد إلى عامل مهم من عوامل التنمية كان له الأثر الواضح في جعل العوامل المكانية أحد المحركات الأساسية في تحقيق التنمية المناطقية (المكانية)، والتخصيص الفعال للموارد الاقتصادية التي يمتلكها الموقع، والتي تعتبر رأس مال مكاني يمكن الحفاظ عليه، وتطويره، وتنميته، ويشير البنك الدولي في هذا الصدد إلى أن “التنمية الجيدة هي التنمية الجيدة مكانيًّا”.

وفي دراسة لـــ “كامل الكناني” ذكر أنه منذ عقد السبعينيات من القرن الماضي شهدت أغلب دول العالم اتجاهين رئيسيين في مجال الاقتصاد المكاني الذي يهتم بالتنمية المكانية:

الاتجاه الأول – الانتقال من النظرة الضيقة لتحليل الهيكل المكاني إلى النظرة الشمولية في التحليل، بمعنى: التحول التدريجي من الاهتمام بالمشاكل المتعلقة بمنطقة معينة بغض النظر عن المناطق الأخرى إلى الاهتمام بالمشكلات؛ وذلك ضمن منظور متكامل مع جميع المناطق ذات العلاقة؛ سواء كانت علاقات تبادلية، أو تنافسية.

الاتجاه الثاني – التوجه نحو النظرة المتكاملة للعناصر المكونة للمكان، والمؤثرة فيه؛ بحيث لا يقتصر التحليل على دراسة العوامل الاقتصادية للمكان فحسب؛ بل يشمل عناصر أخرى متفاعلة في هيكلة الحيز المكاني، ومنها: (العناصر الجغرافية، والسكانية، والاجتماعية، والعمرانية، والبيئية، والحضارية).

وفي ظل هذين الاتجاهين علينا الإدراك أن أية تغييرات قد تحدث على أحد عناصر النظام المكاني تؤدي إلى حدوث تغييرات وثيقة الصلة في العوامل الأخرى المكونة لهذا النظام، كما اهتمت الدراسات الاقتصادية اهتمامًا واسعًا بالعلاقات المختلفة، والمتنوعة التي تحدث ضمن الحيز المكاني في مفهوم عملية التنمية الشاملة، وتحديد مجموعة من الأنماط التي تفسر المكان في علم الاقتصاد، وهي “المكان؛ بوصفه مساحة، والمكان؛ بوصفه مسافة، والمكان؛ بوصفه موقعًا”، وهي أنماط تؤكد أهمية تحليل الهيكل المكاني؛ بما يساعد في تحقيق التنمية المناطقية المنشودة؛ حيث يتم الاستناد على عامل المساحة في تحديد آليات التنمية المكانية الأنسب من خلال توفير إمكانية قياس تدفق العلاقات بين المناطق المختلفة، وبين المدن داخل المنطقة الواحدة، كما يُعد عامل المسافة أحد العوامل الحاسمة في تحديد المنافسة المكانية، أما الموقع؛ فتكمن أهميته في ضمان أفضل اندماج اقتصادي، وتكامل على مستوى المناطق، وعلى المستوى الوطني.

وفي هذا السياق نجد أن المملكة العربية السعودية قد حققت معجزة تنموية غير مسبوقة في مختلف المجالات؛ وذلك من أقصاها إلى أقصاها بفضل الله، ثم قيادتها الحكيمة المتمثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان- حفظهما الله، وسدد خطاهما- ويمكن الاستشهاد- هنا- بما قاله سمو ولي العهد “إننا لا نحاول أن نكون مثل دبي أو أمريكا؛ بل نسعى أن نتطور؛ بناء على ما لدينا من مقومات اقتصادية وثقافية، وقبل ذلك الشعب السعودي، وتاريخنا، نحن نحاول أن نتطور بهذه الطريقة؛ ولذا لا نريد أن نقدم مشاريع منسوخة من أماكن أخرى؛ بل نريد أن نضيف شيئًا جديدًا للعالم”.

لذلك أصبح النموذج السعودي في التنمية الشاملة نموذجًا يُشار له بالبنان، ويظهر قصة نجاح، وتجربة رائدة لبناء الأوطان لمن يريد أن يستفيد؛ بل إنها جديرة بالدراسة، والاطلاع عن قرب بعد أن أدركت القيادة الرشيدة إعطاء البعد المكاني أهمية، وتجنبت استيراد النماذج الغربية لتحقيق النمو، والتنمية الاقتصادية، وتنبهت لخطورة المركزية الشديدة في صناعة القرارات المتعلقة بالمناطق، والمدن السعودية في بلد مترامي الأطراف، وفائدة نقل التنمية، والخدمات إلى مختلف الحواضر السعودية تباعًا، وهذا ما يمكن تأكيده بضرورة عدم إغفال الاقتصاد المكاني ضم منظور التنمية الاقتصادية لتحقيق رؤية 2030م التي ركزت على إدخال مفهوم أكثر عمقًا للتنمية المناطقية، وتطوير إستراتيجيات متكاملة لكل منطقة، واهتمت بتعظيم الاستفادة من الميزة النسبية، واستثمار المقومات التنموية التي تزخر بها كل منطقة مع مراعاة خصوصيتها، وحثت على التشجيع، والتحفيز الاقتصادي؛ وفق الإمكانيات الموجودة في كل منطقة؛ من أجل تحقيق أعلى استفادة منها، وتحويلها إلى عناصر داعمة للاقتصاد؛ مما كان له الأثر الإيجابي في كافة المناشط الاقتصادية، والأنشطة السياحية، والترفيهية المستمرة على مدار العام بفعاليات محلية، وعالمية متنوعة، وكذلك الرفع من مستوى جودة الحياة، ومستوى التنمية الاجتماعية الاقتصادية للمواطنين في المدن، والمحافظات، والقرى كافة بتلك المناطق، كما جاء إطلاق سمو ولي العهد للمناطق الاقتصادية الخاصة الأربع التي تنتشر من شرق إلى وسط إلى غرب المملكة لتوظيف السياسات المكانية أيضًا؛ بما يحقق طموحات المملكة في النمو، والتنوع الاقتصادي، وخلق الوظائف.

ورغم تلك المنجزات العظيمة لا زلنا نطمح إلى أن تكون هناك تكاملية في الأدوار، وعملية تيسير للإجراءات، وتسريع لها بشكل أفضل؛ مما يحقق الكثير من الفوائد الإيجابية بالشراكة المثمرة بين القطاعين: العام، والخاص، ووفق مؤشرات أداء يتم مراجعتها بشكل دوري، والاستفادة من التغذية الراجعة لمعالجة أية عوائق قد تحول دون الوصول إلى النتائج المراد تحقيقها؛ وفق إطار زمني محدد.

ويعمل الاقتصاد المكاني على توجيه الاستثمارات نحو المناطق التي تحتاج إلى دعم، وتطوير من خلال الآتي:

  • تنويع الاقتصاد: تنويع القطاعات الاقتصادية في كل منطقة، وتعزيز الاستدامة
  • خلق فرص العمل: يعمل الاقتصاد المكاني على خلق فرص عمل في كل مناطقه؛ مما يساهم في تقليل معدلات البطالة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، والاقتصادي.
  • تعزيز التنمية المستدامة: عبر تطوير البنية التحتية الاقتصادية، والاجتماعية في المناطق المختلفة، وتحسين جودة الحياة للسكان؛ وبالتالي تحقيق التنمية المستدامة.
  • رفع معدل الثروات: يعمل الاقتصاد المكاني على رفع مستوى الثروة، والفرص في المناطق؛ مما يساهم في تقليل الفجوات الاقتصادية، والاجتماعية بين المناطق.

ويمكن القول: إن الاقتصاد المكاني يؤدي دورًا حيويًّا في تحقيق التنمية من خلال توجيه الاستثمارات، وتنويع الاقتصاد، وخلق الوظائف، وتعزيز الاستدامة، وتحسين مستوى الثروات، والفرص، وأيضًا فإن الاقتصاد المكاني علاوةً على أهميته في تعزيز الاقتصاد سيكون مهمًّا للمساهمة فيما يأتي:

  • تطوير السياحة، وتنشيط الثقافة، والتراث.
  • الحد من الهجرة للمدن الكبيرة.
  • توفير فرص الجذب، والاستثمار للشركات، والمؤسسات المحلية، والعالمية.
  • تمكين الشباب، والشابات، وتوفير الفرص الوظيفية.
  • المساهمة في رخاء المجتمع، ونهضته في كافة المناطق.

 

  • الاقتصاد المكاني في ضوء رؤية 2030م.
  • أولاً- تركز رؤية 2030م على عدد من المبادرات التي تعزز الاقتصاد المكاني في المملكة، من خلال ما يأتي:
  1. تنمية المناطق: تهدف الرؤية إلى تطوير مناطق المملكة المختلفة، وخلق فرص عمل جديدة، وتحسين البنية التحتية في جميع أنحاء البلاد؛ وذلك بدلاً من التركيز على المدن الرئيسية فقط.
  2. التنوع الاقتصادي: تسعى الرؤية إلى تنويع الاقتصاد السعودي من خلال تطوير قطاعات جديدة، مثل: السياحة، والصناعة، والخدمات اللوجستية، وهذا يتطلب توزيعًا مكانيًّا متوازنًا للأنشطة الاقتصادية.
  3. جودة الحياة: تهدف الرؤية إلى تحسين جودة الحياة في جميع أنحاء المملكة، وهذا يشمل توفير خدمات أفضل، وتحسين البيئة الحضرية، وزيادة فرص الترفيه، وهذا يتطلب تخطيطًا مكانيًّا جَيِّدًا للمدن، والمناطق.
  4. الاستدامة: تؤكد الرؤية على أهمية الاستدامة في التنمية الاقتصادية، وهذا يشمل استخدام الموارد بكفاءة، وحماية البيئة، وتخطيط المدن بشكل مستدام.
  • ثانيًا- أمثلة على مبادرات رؤية 2030م التي تعزز الاقتصاد المكاني:
  • مشاريع المدن الجديدة، مثل: نيوم، والبحر الأحمر، والقدية التي تهدف إلى خلق مراكز اقتصادية جديدة في مناطق مختلفة من المملكة.
  • تطوير البنية التحتية، مثل: شبكات النقل، والمواصلات، والموانئ، والمطارات التي تربط مختلف مناطق المملكة ببعضها البعض، وبالعالم.
  • دعم المشاريع الصغيرة، والمتوسطة: وهي التي تساهم في خلق فرص عمل جديدة في مختلف المناطق.
  • تعزيز السياحة: من خلال تطوير المواقع السياحية في جميع أنحاء المملكة.

وفي سياق متصل؛ فقد أطلق سمو ولي العهد- يحفظه الله- قبل نحو عام مشروع المراكز اللوجستية التي وضعت بناءً على المكان في الأساس؛ بما يساهم في إيجاد شبكة للخدمات اللوجستية يؤهل المملكة لأن تكون محورًا لوجستيًّا عالميًّا؛ وذلك استفادةً من موقعها الإستراتيجي ملتقى لثلاث قارات، كما ورد في رؤية المملكة 2030م؛ ليشمل المخطط العام للمراكز اللوجستية (59) مركزًا؛ وذلك بإجمالي مساحة تتجاوز (100) مليون متر مربع تتضمن:

(12)  مركزًا لوجستيًّا لمنطقة الرياض.

(12) مركزًا لوجستيًّا لمنطقة مكة المكرمة.

(17) مركزًا لوجستيًّا للمنطقة الشرقية.

(18) مركزًا لوجستيًّا في بقية مناطق المملكة.

ويجري العمل في (21) مركزًا على أن تكتمل جميع المراكز بحلول عام 2030م.

  • هيئة المدن، والمناطق الاقتصادية، ودورها التنظيمي، والإداري:

اهتمت رؤية المملكة 2030م اهتمامًا كبيرًا باستثمار موقع المملكة الإستراتيجي، وأسست هيئة متخصصة للمناطق الاقتصادية الخاصة، واشتملت الإستراتيجية الوطنية للاستثمار التي أطلقها سمو ولي العهد- يحفظه الله- قبل نحو عامين على مبادرة لإطلاق عدد من المناطق الاقتصادية الخاصة، وقد نُفِذَت تلك المبادرة بالفعل، وقدمت اللجنة الوطنية للحوافز حزمة لاستقطاب المستثمرين لتلك المناطق.

ولا يخفى أن لكل منطقة توجهًا من خلال اهتمامها لاستقطاب استثمارات في قطاعات بعينها؛ وذلك بغية تعظيم الاستفادة من البنية التحتية، ومن تكامل جهود الشركات العامل بما يوجد منظومة متكاملة (ecosystem)  لتعزيز تنافسية أنشطة اقتصادية بعينها.

وبالنسبة لما يتعلق بالجانب الإداري، والتنظيمي؛ فالتصور أن (الإدارة المناطقية) لن تخرج من عباءة (هيئة المدن، والمناطق الاقتصادية)؛ فالهيئة هي المظلة التنظيمية لمثل هذا الاقتصاد، ومنوط بها ما يأتي:

  • دراسة الطلبات المتعلقة بإنشاء المدن، والمناطق الاقتصادية، ومتطلبات إنشائها.
  • إصدار القرارات بشأن إنشاء المدن، والمناطق الاقتصادية.
  • اقتراح الترتيبات التنظيمية، ووضع الممارسات التنظيمية من قبل الهيئة؛ سواء أكانت تنفيذية، أم إشرافية، أم رقابية.
  • وضع السياسات، والبرامج العامة، والتفصيلية لتنمية المناطق، وتطويرها.
  • تسهيل فرص الاستثمار المستقبلية.

وهذا ما نحتاجه في الجانب التنظيمي، والإداري للاقتصاد المكاني من هيئة المدن، والمناطق الاقتصادية كـ (بنش مارك  (Benchmar، أو نموذج لوضع التنظيم، ولقياس الأعمال المتعلقة بالاقتصاد المكاني .

ولكن من المهم الإشارة إلى أنه على الرغم من دور هيئة المدن، والمناطق الاقتصادية إلا أنها لا تنفرد بالقرار؛ بل يكون بالمواءمة مع أصحاب العلاقة، وفي مقدمة هذه الجهات هيئات التطوير، هذا ما جرى العمل عليه في المناطق الاقتصادية الأربع التي سبق الحديث عنها؛ بل إن تحت الهيئة الملكية لمدينة الرياض هيئة مختصة للمناطق الاقتصادية الخاصة؛ وذلك ضمن النطاق الجغرافي.

ومن ناحية أخرى؛ فقد حاولت الإستراتيجية العمرانية الوطنية أن تكون آلية لتنفيذ أحد أهم أهداف الخطط الخمسية؛ وذلك بتشجيع التنمية الإقليمية؛ وبالتالي الحد من الهجرة للمدن الكبيرة، ومن ذلك تحفيز الاقتصاد العمراني من خلال إيجاد مزايا تنموية حقيقية، ولكن أعاق ذلك الاستمرار في المرجعية المركزية للوزارات التنموية؛ فتركزت التنمية في المدن؛ ولأن الاقتصاد لازال ريعيًّا بشكل رئيس مهما تفرعت منه مشتقات (غير نفطية) مصدرها القطاع الخاص (الاستهلاكي بشكل رئيس) إلا أن النفط لازال العصب الأساس للاقتصاد الوطني، والأمل معقود على رؤية ٢٠٣٠م لإحداث تغييرات جوهرية مستدامة؛ حتى أننا لو رسمنا خارطة للوظائف الحكومية؛ من حيث تركز الأعلى لوجدناها في الرياض، وبمعدل أقل في مدن المستوى الثاني، ومع كل وظيفة عدد من الوظائف التشغيلية الخدمية؛ وبالتالي يؤثر هذا في القوة الشرائية.

وتتزايد في هذا الإطار الحاجة لإعداد دراسات مسحية معمقة لمناطق المملكة؛ بحيث تعمل على تحديد الاقتصاديات المكانية الواعدة التي تتوفر لها فرص النجاح في كل منطقة، وتحديد المبادرات التي يكون في تنفيذها توفيرٌ لمقومات نجاح كل نوع من أنواع الاقتصاد المكاني، وأن تغطي الدراسات الميزات النسبية الموجودة، و”الممكنة” بمزيد من التفعيل، مثل: (مد شبكة القطار، أو أنابيب النفط، والغاز، أو مشاريع حكومية، أو استثمارات ….).

وتذهب بعض وجهات النظر إلى أنه لو اطلعنا على بدايات الخطط الخمسية في المملكة العربية السعودية منذ بداية عام1970م نجد أنها ركزت على تنمية المدن الرئيسية الثلاث: (الرياض، وجدة، والدمام)؛ وذلك خلال الخطة الخمسية الأولى، والثانية، والثالثة، وفيما بعد ركزت على المدن الأخرى؛ بحيث لا يكتفي بالمدن الرئيسة، وكانت هناك استمرارية في تنمية المدن الرئيسة، وعدم إعطاء المدن الأقل نموًّا اهتمامًا أكبر، ووجدنا نماذج ناجحة في السعودية، منها: الهيئة الملكية في الجبيل، وينبع، وكذلك الهيئة العليا لمدينة الرياض سابقًا، وحي السفارات، وهذه من النماذج الناجحة فيما يخص إعطاء الاستقلالية في إدارة المدينة، أو إدارة المكان من جهة واحدة.

وثمة ضرورة لأن تكون دراسة اقتصاديات المكان في السعودية مبنية على المكان نفسه، ولا تتبع التنظيم الإداري للمناطق الإدارية الثلاثة عشرة في المملكة، ولعل من الملائم أن يجنب هذا التقسيم الإداري عند دراسة المكان من الناحية الاقتصادية؛ لأن هناك كثيرًا من المواقع ذات الميزة النسبية، أو التنافسية تجدها تتبع جهتين إداريتين منفصلتين؛ فمثلاً: منطقة الباحة مع منطقة مكة المكرمة، وكذلك منطقة جيزان مع منطقة عسير، وكذا المنطقة الشرقية مع منطقة الرياض، وغيرها من مناطق مشتركة للمكان، ولكن إداريًّا تتبع منطقتين، والتصور أن يكون تخطيط المملكة في هذه المنظومة مبنيًّا على اقتصاديات المكان.

وربما يكون من الملائم أن تكون من المعايير المحددة أن المنتجات الصناعية المعدة للتصدير تكون قرب الموانئ؛ فمثلاً: منطقة رابغ ينبع، أو جيزان يكون فيها مصنع للأسمنت، وأيضًا إذا كان هناك صناعات للاستهلاك المحلي تكون قرب التجمعات السكانية العالية كالمدن الرئيسة، وتكون في أطرافها، أو في ضواحيها، أما بالنسبة للمناطق ذات الميزات النسبية؛ فيتم درستها إذا كانت منطقة زراعية؛ فلابد أن ترتبط مع الزراعة الصناعات الغذائية بجميع مستوياتها؛ سواء من مواد خام إلى الإنتاج النهائي، وهكذا بالنسبة للصناعات، وغيرها من مزايا نسبية سياحية، أو تعدينية للمناطق.

  • متطلبات تطبيق الاقتصاد المكاني في الواقع السعودي:

الاقتصاد المكاني من شأنه أن يعمل على تحقيق التطلعات الاقتصادية؛ بما يتماشى مع رؤية 2030م، ولا خلاف في ذلك إلا أنه ثمة حاجة إلى أن يكون هناك خطوات علمية، وعملية لتحقيق أهداف الاقتصاد المكاني، من أبرزها:

  • دراسة الواقع، أو التشخيص الكامل للبنية التحتية اللازمة لتنفيذ سياسات الاقتصاد المكاني؛ وذلك بتحليل العوامل، والمتغيرات التي تـؤثر علـى عمليـة التنميـة المكانيـة باسـتخدام ما توصلت إليه هيئة الاحصاءات العامة من مؤشرات، أو إجراء دراسات.
  • صياغة، أو وضع سياسات، وإستراتيجيات اقتصادية شاملة لتنمية المدن، والمحافظات، والأرياف؛ وذلك تمهيدًا لدمجها في تحقيق أهداف التنمية في ضوء رؤية 2030م حول تحقيق أهداف الاقتصاد المزدهر.
  • السعي لتنفيذ هذه السياسات في ضوء خطة عمل تنفيذية تشارك فيها جميع الجهات ذات العلاقة حكومية، وغير حكومية.
  • الاستفادة من خبرات هيئات التطوير، والمناطق الاقتصادية الخاصة القائمة؛ بما يعزز الاقتصاد المكاني، خاصّة ما يتعلق بالبنية التحتية الاقتصادية.
  • اختيار المشاريع المناسبة في المناطق كالمشاريع الزراعية، والصناعية، وغيرها المتوافقة مع البيئة المناسبة، واختيار الموقع الأنسب لها؛ وذلك طبقًا لظروف المملكة المناخية، والجغرافية، والبشرية.

وفي هذا الإطار من الأهمية بمكان أن تركز إستراتيجية الاقتصاد المكاني على التوازن بين المدن الكبرى، وما سواها؛ بحيث يكون هناك دور محوري للمدن الصغيرة، والمناطق البعيدة عن محاور الاهتمام، ويُركز على المزايا النسبية لكل موقع، ومدينة، ومنطقة، ولا يتلاشى الاهتمام به بحكم صغر حجمه.

وإذا كان من المهم الاهتمام بالمدن الصغيرة؛ بل بالبلدات والأرياف؛ فإن ذلك يتم بتوفير مصدر توظيف، وقد يكون مصدر التوظيف وجود خدمة مميزة كمطعم متميز على سبيل المثال، أو مكان متميز، مثل: آثار، أو متاحف، كما هو الحال في كثير من القرى، والأرياف في عدد من الدول الأوربية، سويسرا مثلًا.

كما تبرز أهمية التخطيط المكاني من ناحية البنية التحتية الممثلة في النقل، والمواصلات، والشبكات اللوجستية، والخدمات الأساسية (الصحية، والتعليمية)، وغيرها، هذا مع ضرورة نشر الوعي الكافي بين أفراد المجتمع؛ فقد نجد كثيرًا من الناس قد لا يعرفون ما يعنيه الاقتصاد المكاني، وكيف يؤثر على التنمية الاقتصادية، وهذا ما قد صدر عن انزعاج من قبل بعض ملاك العقارات المنزوعة في الأحياء التي تلائم بعض المشاريع الاقتصادية بالمجالس العامة، وعليه؛ فنحن بحاجه ماسة إلى برامج توعية، وتثقيف لتعريف الجمهور، وصانعي القرار بأهمية الاقتصاد المكاني، ومردوده التنموي على الفرد، والمجتمع.

أيضًا؛ فإن في الاقتصاد المكاني، ووسائله المختلفة فرصة ذهبية لتوزيع النشاطات الاقتصادية في مناطق المملكة، وإعطاء المدن المتوسطة، والبلدات مجالًا لتفعيل مميزاتها، واستبقاء أهاليها؛ بل وجلب المزيد من المناطق المختلفة، وأحد المفاتيح الضرورية هو “تفعيل المميزات”، إن لم يكن السعي في خلق بعض عناصرها.

وبالتأكيد لابد من وضع دراسات مستفيضة للتعرف على مزايا الأمكنة، وهذا ما تسعى رؤية المملكة الوصول له؛ وذلك من خلال الدراسات المنهجية لاستخلاص مبادرات، منها: ما هو تنظيمي، وتشريعي، ومنها: ما هو تنفيذي، ولهيئات التطوير دور أساس؛ باعتبار سلطتها المهيمنة على نطاقها الجغرافي.

فما ستضيفه دراسات الاقتصاد المكاني هو مسح المزايا الاقتصادية للأماكن في طول المملكة، وعرضها- رعاها الله- دون حصر نطاق البحث عن الفرص الاقتصادية في الأماكن المأهولة فقط؛ فعلى سبيل المثال: أحد أبرز محددات اختيار المناطق الاقتصادية الخاصة(SEZ)  هو المكان، وهذا ما كان بالنسبة للمناطق الأربع التي أطلقتها المملكة، وكذلك الأمر بالنسبة للمراكز اللوجستية التي أُعلن عن تأسيسها في جنبات المملكة؛ حيث يضم المخطط العام للمراكز اللوجستية (59) مركزًا؛ وذلك بإجمالي مساحة تتجاوز (100) مليون متر مربع، وتتضمن (12) مركزًا لوجستيًّا لمنطقة الرياض، و(12) مركزًا لوجستيًّا لمنطقة مكة المكرمة، و(17) مركزًا لوجستيًّا للمنطقة الشرقية، و(18) مركزًا لوجستيًّا في بقية مناطق المملكة؛ حيث يجري العمل- حاليًّا- في (21) مركزًا لوجستيًّا على أن تكتمل جميع المراكز  بحلول عام 2030م.

والواقع أن مسألة الاهتمام بالاقتصاد المكاني (الحيز المكاني) تنبع من حقيقة وجود ترابط جدلي، وتفاعلات حتمية بين الهيكل المكاني، والعوامل الاقتصادية، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر؛ فكما أن العوامل الاقتصادية تؤثر تأثيرًا كبيرًا على الهيكل المكاني القائم؛ فإن الهيكل المكاني هو تعبير عن المكونات، والعناصر في المساحة، والرقعة الجغرافية، وآلية العلاقات المتبادلة بين هذه العناصر، وقد تؤدي هذه العوامل كذلك لخلق تغييرات متتابعة، وتوليد هياكل مكانية جديدة على المدى البعيد، وكذلك يُعد الهيكل المكاني من العوامل المؤثرة على التنمية الاقتصادية؛ إذ إن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تقوم إلا إذا كان الهيكل المكاني يستند على أسس، وعناصر ذات قوة كبيرة في إحداث عملية التنمية، وبالتأكيد فإن من العوامل الحاسمة عند تحليل الهيكل المكاني (اقتصاديات الحجم، وتكلفة النقل، ووسائل الاتصال، والاقتصاديات الخارجية، والداخلية)، وهذه العوامل تخضع- بطبيعة الحال- للتغييرات في النظام المكاني؛ بصفته جزءًا طبيعيًّا من عملية التطور، وتحقق أقصى حدود الاستفادة من المكان عند اعتماد بدء أي نشاط اقتصادي فيه، ومن هذا المنطلق تتضح أهميته فيما يأتي:

أولاً – يجب أن تتوفر لدى المخططين للتنمية المناطقية (المكانية) معرفة علمية واسعة بالهيكل النوعي للمكان الذي يعتمد على الخصائص الآتية: (الاقتصادية، والديموغرافية، والطبوغرافية، والمناخية)، وكذلك يعتمد على القدرة العالية في التحليل، والإدراك للاحتمالات التي قد تُحْدِثُ خَلْطًا في مفهومها للمكان ضمن إطار التنمية الاقتصادية.

ثانيًا – تأثر الهيكل المكاني عند الشروع بعملية التنمية الاقتصادية لمنطقة ما؛ بحيث تظهر فيه نقاط القوة في مراكز معينة، ونقاط الضعف في مراكز أخرى؛ وذلك من خلال متغيرات التنمية الاقتصادية في تحريك عناصر المكان، وتغير النسب، والعلاقات في الحيز المكاني؛ مما يؤدي بالنتيجة إلى التغير الواضح في البنية المكانية، وخاصة في استعمالات الأراضي على مستوى المدينة، ونوع الفعالية، أو النشاط القائم، ومدينة الرياض خير مثال يوضح أن دراسة الفوارق التنموية بين المناطق يساعد في تفسير سلوك المتغيرات في الحيز المكاني، كما يساعد متخذي القرار في توجيه العمل التنموي الإنتاجي، والاستثماري الذي يضمن الاستغلال الأمثل للموارد؛ بما يضمن الاستدامة في ظل توجه الحكومة لجعل الرياض من العواصم العالمية.

ثالثًا – يجب وضع الجوانب الآتية في الحسبان عند وضع خطط التنمية المناطقية؛ بما يسهم في تحسين النمو التنموي المنشود بالتزامن مع تعزيز مرونة المدن السعودية، وهذه الجوانب هي: ربط مناقشة استدامة البيئة، وإدارة المخاطر في المملكة العربية السعودية بالإستراتيجيات العمرانية لكل منطقة على حدة بشكل يتسق مع السياسات الوطنية، وأهداف التنمية المناطقية الشاملة، وأن تكون الخطة التنموية الوقائية لكل مدينة نابعة من السياق البيئي، والحضري، والاجتماعي، والاقتصادي الخاص بها، وأن نجعل الحد من مخاطر الكوارث جزءًا أساسيًّا وضروريًّا من التنمية المستدامة للمناطق التي من بين أهدافها تحقيق جودة الحياة، وتعزيز وعي السكان بالكوارث الطبيعية، والمشاكل البيئية.

وانسجامًا مع التخطيط التنموي بعيد المدى؛ فمن المهم تحقيق مبدأ التوازن الانتقائي في توجيه الاستثمارات الاقتصادية، والاجتماعية التي تحقق أفضل عائد اقتصادي، وأفضل مردود اجتماعي، وهذا المبدأ ينطلق من فكرة أن آلية السوق لا تستطيع- وحدها- أن تقلل من ظاهرة التفاوت الكبير في التنمية المناطقية (المكانية)، والاهتمام بالبعد المكاني؛ بصفته محورًا مهمًّا في التفضيلات الاستثمارية؛ لما للحيز المكاني من تأثير اقتصادي على تكلفة الإنتاج، وتكاليف النقل، والتسويق، واعتماد مبدأ الميزة النسبية للمكان، وتحديد الاتجاهات المكانية المرغوب فيها في توزيع السكان، والفعاليات المناسبة في وضع مسارات التنمية المناطقية؛ بما يضمن الاستغلال الأفضل، والكفء للموارد، والإمكانات المتاحة في الدولة.

وهنا تقع آمال كبيرة على الهيئات المعنية بتطوير المناطق، والمدن في عمل الخطط، والبرامج؛ وفق الميزة النسبية، والإمكانيات الموجودة في كل منطقة للوصول إلى أعلى مستوى ممكن من الاستفادة من تلك الإمكانيات، وفتح المجال أكثر لرواد الأعمال، وأصحاب المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، والعمل على تخصيص نسبة من تلك الفرص لهم، وتوفير كافة السبل الممكنة لإيجاد البيئة المحفزة، والجاذبة، وتوزيع التنمية المكانية؛ وفقًا لخصوصية كل منطقة؛ وذلك لخلق مزيد من الترابط، والتناسق بين المناطق؛ من أجل تقليل الفوارق بين المدن التي من الممكن أن تصبح فوارق هيكلية تقود للمزيد من التأثيرات على احتياجات السكان الأساسية؛ لأنها عامل أساسي في ظهور الفوارق.

وحيث إن توجه الأنظار، وحجم التطلعات كبيران في المرحلة القادمة، خاصة بعد الصلاحيات الممنوحة لمركز دعم هيئات تطوير المناطق، والتوجه نحو الابتعاد عن اللامركزية في إطار تنمية المناطق، وتطويرها، والاستفادة الإيجابية من الفرص الواعدة التي تزخر بها مختلف المدن؛ مما يوفر المزيد من فرص الأعمال، والوظائف؛ سواء بشكل دائم، أو مؤقت، ويخلق تنوعًا اقتصاديًّا، وسياحيًّا بشكل فعَّال، وتكاملي بين مختلف الأطراف ذات العلاقة؛ مما يرفع من نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج القومي، وكل ما نرجوه، ونتمناه لمراكز دعم هيئات تطوير المناطق، ولهيئات التطوير التي تحمل على عاتقها مهام تحقيق التنمية المكانية هو أن تُوفق في تحقيق أهداف الرؤية على مستوى المناطق، والمدن، والمحافظات، والقرى، وأن تتجاوز في أداء مهامها ما واجهته الإستراتيجية العمرانية الوطنية من صعوبات، أو معوقات، أو إخفاقات.

ومن جهة أخرى تتزايد أهمية تعزيز البحث العلمي؛ فلا بد أن يكون للمتخصصين؛ لا سيما في الجانب الاقتصادي في المناطق دور مهم، وملموس في تقديم الدراسات، والمقترحات التي تساعد متخذ القرار في الحصول على مرئيات من أهل الاختصاص لمختلف الخطط، والأفكار المقترح تنفيذها لتنمية أية منطقة؛ ولا سيما الاستفادة من أهل الاختصاص، والخبرة، وسكان المناطق في اللجان المختلفة التي من المفترض أن تؤدي دورًا مهمًا؛ سواءً في وضع الخطط، أو المقترحات، أو رفع التقارير الدورية عن ملاحظاتها، ومرئياتها في إطار زمني محدد، ومن الأهمية في هذا الصدد تأكيد ما يأتي:

  • الاستمرار في اتخاذ كافة الاجراءات الكفيلة بتسريع عملية الاستثمار، وتقديم التسهيلات القانونية، والإدارية، وتنظيم عمل المؤسسات المعنية بذلك من خلال تحديد الرؤية المستقبلية للقطاعات الحيوية متمثلة في (قطاع الصناعة، وقطاع الزراعة، وقطاع السياحة، وقطاع التعدين) داخل كل منطقة إدارية.
  • تحديد أبرز التحديات التي قد تشكل عائقًا أمام الاستفادة من الميزة النسبية للمناطق، وإيجاد الحلول المناسبة لها، والعمل كذلك على الاستفادة من التغذية الراجعة للبرامج، والخطط التي لم يكتب لها النجاح المأمول في السابق.
  • ربط خصائص الحيز المكاني بأبعاده الاقتصادية ضمن نطاق التأثير، والتأثر؛ بحيث تكون هناك أسبقيات مناطقية مع مراعاة المصلحة الوطنية؛ أي: أن تكون البرامج التنموية في منطقة معينة متممة، ومتكاملة مع المناطق الأخرى.
  • التنسيق بين المناطق ذات المصالح المشتركة من إقامة المشاريع الاستثمارية، وبالذات فيما يتعلق باستعمالات الأراضي في تفاعل، وتشابك، أو تكامل بين العلاقات الاقتصادية وخصائص الحيز المكاني، وتوفير التسهيلات المشجعة؛ وفق القوانين ذات العلاقة.
  • تعزيز سياسات التحفيز الاستثماري للقطاعين: العام، والخاص، مع التركيز على المشاريع ذات الأثر في تعظيم الموارد، ورفع المستوى الاقتصادي للسكان، والتركيز على الوحدات الإدارية الأصغر في هرمية التنظيم المكاني القائم، وتقديم التسهيلات اللازمة، والدعم لها؛ وذلك بهدف تقليل الفوارق المكانية، وتعظيم الموارد الاقتصادية المحلية.
  • تمويل القيام بدراسات مستقبلية لديها القدرة على التنبؤ بوضع كل التوقعات في الحسبان، خصوصًا الزيادة في عدد السكان، والمنشآت، والخدمات في مناطق المملكة المختلفة، واللجوء إلى محاكاة ذلك علميًّا؛ بناءً على الإحصاءات العددية، والدراسات الموثقة المعتمدة.
  • التنمية المستدامة لمدينة الرياض في ضوء اقتصاديات المكان:

إن الزيادة المتوقعة في عدد سكان الرياض، والمتوقع أن تتراوح من (8) ملايين إلى (15) مليون نسمة بحلول 2030م يبين أن التحدي الرئيس يكمن في التوازن بين النمو السكاني السريع، وتوفير البنية التحتية، والخدمات الأساسية بطريقة فعالة، ومستدامة.

ولهذا؛ فلابد من تأكيد أهمية ترافق التوسع السكاني في الرياض مع تطوير السياسات الاقتصادية التي تضمن توزيعًا عادلًا للموارد، والخدمات في جميع الأحياء، والمناطق، وهذا يشمل تحسين شبكات النقل، وتوفير الإسكان الملائم، وضمان الوصول إلى الخدمات الصحية، والتعليمية مع ضرورة توظيف الموقع الجغرافي، وربطه بالمناطق المجاورة، وهذا- بدوره- سيعزز من قدرة الرياض “المدينة” على استيعاب هذا النمو.

والحلول العملية تمت الإشارة إليها في الورقة الرئيسة، والتعقيبات عليها؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر تطرق التعقيب الأول لأهمية التخطيط المكاني، وعده الركيزة الأساسية لتوجيه هذا النمو السكاني المتوقع نحو تحقيق الأهداف الاقتصادية، والاجتماعية لرؤية 2030م، وبدون التخطيط السليم قد تواجه الرياض تحديات، مثل: الازدحام المروري، ونقص الخدمات الأساسية، وارتفاع تكاليف المعيشة. وهذا ما تعاني منه الرياض حاليًّا؛ بمعنى: أن لدينا فجوة إستراتيجية تتمثل بوجود أهداف طموحة مشروعة، ولكنها تحتاج إلى النظر في كيفية تحقيقها، وسد الفجوات مع تأكيد أهمية التخطيط الحضري الشامل الذي يضمن توزيعًا متوازنًا للأنشطة الاقتصادية، والمرافق العامة؛ مما يخفف الضغط على المناطق المركزية، ويوفر فرصًا للنمو في مناطق الأطراف.

وكذلك تطرق التعقيب الثاني لفجوة إستراتيجية أخرى تمثل تحديًّا للمعنيين في الهيئة الملكية لتطوير الرياض، وتتمثل في الزيادة السكانية الكبيرة، وما يترتب عليها من ضرورة تحسين البنية التحتية بشكل جذري؛ حيث تحتاج الرياض إلى توسيع شبكة النقل، والمواصلات، وتعزيز شبكات المياه، والكهرباء، هذا بالإضافة إلى بناء المزيد من المرافق السكنية، والصحية، والتعليمية، وهذا ما يؤكده التعقيب من أهمية المرونة، والقدرة على استيعاب النمو السكاني المتوقع بطريقة مستدامة؛ فالرياض ليست بحاجة فقط إلى البنية التحتية الحالية؛ بل يجب أن تتجاوز ذلك نحو تبني بنى تحتية مبتكرة، ومستدامة بيئيًّا تسهم في تحسين جودة الحياة لسكان المدينة.

بالإضافة إلى ما سبق؛ فقد سلط التعقيب الثالث الضوء على ضرورة سد هذه الفجوات، خاصة تلك المتمثلة بالزيادة السكانية إلى أهمية تعزيز التنمية في المناطق المجاورة؛ مما يتيح توزيع السكان، والأنشطة الاقتصادية على نطاق أوسع، وهذا النهج يمكن أن يسهم في تخفيف التكدس السكاني داخل المدينة، وتحقيق تنمية متوازنة بين العاصمة، والمناطق المحيطة بها، وإن كان هناك حاجة للتحقق من مدى توافق هذا المقترح مع المستهدف المتعلق بزيادة عدد السكان ليصل إلى 15- 20 مليونًا، خاصة أن الزيادة السكانية يمكن أن تكون فرصة اقتصادية كبيرة إذا تم استغلالها بشكل صحيح؛ فزيادة عدد السكان تعني زيادة في الطلب على السلع، والخدمات؛ مما يوفر فرصًا استثمارية واسعة في مختلف القطاعات.

ولهذا؛ فإن تطبيق إستراتيجية الاقتصاد المكاني بشكل فعّال، وخاصة من خلال تبني ما تم اقتراحه أعلاه؛ فإنه يمكن للرياض أن تصبح نموذجًا حضريًّا متقدمًا قادرًا على استيعاب النمو السكاني، وتحويله إلى اقتصاد مكاني قادر على تحقيق الأهداف الاقتصادية، والاجتماعية، والتنموية لرؤية 2030م.

 

  • الميزة النسبية لمنطقة الجوف؛ بصفتها نموذجًا للتنمية الزراعية المستدامة:

تتميز منطقة الجوف ببيئة مناخية ملائمة للتنمية الزراعية المستدامة؛ فالمناطق الشمالية المتمثلة في (الجوف، وحائل، وتبوك) تكتسب الميزة النسبية بزراعة شجرة الزيتون المباركة ذات المردود الاقتصادي الكبير، وهذه الشجرة المباركة تنتشر بشكل كبير في تلك المناطق، وتتركز بوجه خاص في منطقة الجوف لخصوبة تربتها، وقربها من حوض البحر الأبيض المتوسط البيئة المناخية المناسبة لزراعة شجرة الزيتون؛ فعدد أشجار الزيتون بمنطقة الجوف يقدر بالملايين، ومعظمها يسقى بنظام الري الحديث (التنقيط)، ومزروع بالطريقة المكثفة؛ فمن الملاحظ أن هناك توسعًا بزراعة أشجار الزيتون مع قصور واضح في انتشار منتجات أشجار الزيتون في أسواق المملكة؛ وذلك مقارنة بالمستورد من الخارج، ووجود فجوة كبيرة بين العرض، والطلب على زيت الزيتون، ويعزو غالب المنتجين لزيت الزيتون، والمزارعون هذا التباين إلى عدم وجود آليات تسويق متطورة لهذا المحصول الغذائي الوطني الإستراتيجي الذي لو تم؛ فهو كفيل لنا بالاكتفاء الذاتي كمرحلة أولى من المزروع حاليًّا، ومن ثم التصدير لدول الجوار كدول مجلس التعاون الخليجي.

وشجرة الزيتون تعتبر قليلة الاستهلاك للمياه؛ وذلك مقارنة بالمحاصيل الزراعية الأخرى؛ فمثلاً: معدل استهلاك أشجار الزيتون من الماء سنويًّا للهكتار الواحد عُشر استهلاك البرسيم تقريبًا، وقد يزيد، أو ينقص حسب آلية الري، ووعي المزارع في استهلاك المياه؛ فعلينا الإسراع بتفعيل المبادرة الثالثة- إحدى مبادرات صندوق التنمية الزراعية السبع التي أُعلن عنها قبل عدة سنوات- وتنص على أنه لا بد من «تطوير أساليب المناولة، والتسويق للمحاصيل الزراعية (الخضروات والفواكه)»، وإعطائها الأولوية مع إنشاء كيان يخدم قطاع الزيتون بالمملكة في ظل ضعف واضح في أداء الجمعيات التعاونية الزراعية، خصوصًا في محصول الزيتون، ونكون- بذلك- قد ساهمنا في مساعدة المزارع بالتحول من زراعة المحاصيل المستهلكة للمياه إلى زراعة شجرة الزيتون غير المستهلكة للمياه، وهي التي تقوم عليها عدة صناعات، مثل: صناعة الأعلاف، والفحم للتدفئة، والصابون، والمنظفات الطبيعية، هذا إضافة إلى المنتج الرئيسي، وهو زيت الزيتون، والزيتون المخلل؛ وبالتالي نجمع بين التوفير في استهلاك المياه، وتوفير سلعة غذائية؛ بصفتها جزءًا من الأمن الغذائي الوطني، وخلق فرص عمل مستدامة للمواطنين من خلال الزراعة، والمناولة، والتصنيع، والتسويق.

وبالإشارة إلى تكوين هيئات لتطوير المناطق، منها: منطقة الجوف؛ فبكل تأكيد هذه الهيئات تقوم بعمل جبار في تطوير مناطقها بشكل عام، لكن قد يكون من المناسب التفكير في إطلاق هيئات متخصصة، أو تحت أي مسمى للمنتجات الزراعية التي تتميز في إنتاجها المملكة، ووفرتها، مثل: هيئة للتمور، وهيئة للزيتون…. إلخ لتعظم الفائدة الاقتصادية من هذه المنتجات الزراعية النوعية، وتعزز منافسة المملكة فيها.

  • الذكاء الاصطناعي، وتقنية المعلومات، ودورهما في التنمية المناطقية:

انطلاقًا من مفهوم الاقتصاد المكاني الذي يركز على العلاقة بين الموقع الجغرافي والموارد، والأنشطة الاقتصادية، ويبين أسباب تمركز بعض الأنشطة في مواقع دون أخرى يمكن الإشارة إلى أهمية دور الذكاء الاصطناعي في هذا المجال؛ فالذكاء الاصطناعي قادر على تحليل كميات هائلة من البيانات الجغرافية، والاقتصادية؛ مما يسهم في اتخاذ قرارات مُثْلَى؛ فهو يساعد في تحليل الأنماط الاقتصادية المتغيرة بين المناطق، مثل: (التوزيع السكاني، والطلب على الخدمات)؛ وذلك لفهم العلاقات بين الموارد، وتحديد المناطق ذات إمكانيات النمو الأكبر لتوجيه الاستثمارات إليها بكفاءة، كما يتنبأ بالنمو الاقتصادي؛ بناءً على الاتجاهات الحالية؛ مما يسهم في التخطيط الأمثل لتوزيع الموارد؛ فتوظيف الذكاء الاصطناعي يعزز إستراتيجيات الاقتصاد المكاني بشكل كبير، ويساعد في تحقيق الأهداف الاقتصادية بشكل أسرع، وأكثر استدامة.

وفي سياق متصل؛ فقد أحدثت تقنية المعلومات تحولات في نمط العمل؛ وذلك من خلال تمكين العمل عن بُعد، وتعزيز التعاون الافتراضي؛ مما قلل الاعتماد على التواجد في المراكز الحضرية الكبرى، كما أسهمت هذه التقنية في توزيع السكان على نطاق أوسع، ودعمت التنمية المناطقية، وهذا عبر توفير بنية تحتية رقمية تمكّن المناطق النائية من الوصول إلى الأسواق، والخدمات، وبذلك أصبحت تقنية المعلومات أداة فعالة لتحقيق التنمية المناطقية من خلال دعم المشاريع المحلية، وتعزيز المهارات الرقمية، وإنشاء “مجتمعات افتراضية”.

في المقابل تعتمد التجمعات الفعلية على الموقع الجغرافي، والبنية التحتية المادية؛ مما يؤدي إلى تكاليف مرتفعة، وضغط على الموارد، أما التجمعات الافتراضية؛ فتستند إلى البنية التحتية الرقمية، وتوفر مرونة جغرافية، وتكاليف أقل؛ مما يدعم توزيعًا اقتصاديًّا، وسكانيًّا متوازنًا، ويعزز التنمية في المناطق النائية.

ولعل من المناسب في هذا السياق استحضار مثال له دلالة، وهو أن إحدى المناطق الاقتصادية الخاصة التي أطلقتها المملكة هي منطقة افتراضية تُعنى بالحوسبة السحابية، وتستهدف الشركات العالمية، والإقليمية العاملة في مجال الحوسبة السحابية التي تقدم خدماتها للسوق المحلية، والدولية لخلق بيئة تنافسية تسهم في تطوير هذا القطاع في المملكة، وتساهم في تعزيز مساهمة قطاع الرقمنة.

  • التوصيات:
  • تحتم الاستفادة من اقتصاديات المكان تصميم حزم سياسات تتصل بتعظيم الأثر الاجتماعي- الاقتصادي؛ ليشمل جغرافيًّا جميع مناطق المملكة، ويكتسب هذا الأمر أهمية متزايدة مع تزايد الترابط فيما بين المواقع الجغرافية من جهة، وترابط الاقتصاد السعودي مع محيطه الإقليمي، وتأثيره العالمي من جهة أخرى؛ حيث تتصاعد أهمية البعد المكاني للأنشطة الاقتصادية، فيما توفر دراسات الاقتصاد المكاني الأدوات التحليلية لاستيعاب التعقيدات في علاقات الاقتصاد العالمي، وصلة الاقتصاد السعودي به؛ بل وصلة المناطق، والأماكن السعودية بهذا الاقتصاد العالمي المترابط؛ مما يضمن مساهمة كل ذلك في نمو الاقتصاد المحلي، وزيادة مرونته، وتعزيز مستوى تعقيد منتجاته، وخدماته؛ وبالتالي تعزيز تنافسيته، وقيمته المضافة للاقتصاد، ومحتواه المحلي.
  • تعزيز البحث العلمي بإطلاق مجلة علمية مُحَكَمة عن الاقتصاد المكاني، وتصميم برامج تركيز أكاديمي على دراسات الاقتصاد المكاني؛ وذلك بتطوير مقررات لتدريسه منهجيًّا بصورته العامة، وفيما يتصل بسياساته، وتطبيقاته في المملكة العربية السعودية، وربط تلك الدراسات بمعطيات التقنية؛ بما في ذلك التحاليل القائمة على البيانات الضخمة، ونظم المعلومات الجغرافية، وتقنيات النمذجة المكانية.
  • أهمية إصدار تقارير منتظمة، ونشرها من قبل هيئات تطوير المناطق، والمدن، وكذلك من قبل مركز دعم هيئات تطوير المناطق، وتوضح ما تم تنفيذه، وما سيتم؛ حتى يطلع عليها المجتمع، ويناقشها، ويتفاعل معها، ويسعى إلى دعمها، والاستثمار فيها.
  • توظيف علم الاقتصاد المكاني للتعرف على عوامل قوى التشتت، والجذب للأنشطة الاقتصادية، والقوى البشرية، وتحليل تلك العوامل، واستخدامها بشكل مدروس؛ بما يساعد أصحاب القرار فى تحديد أهدافهم بدقة؛ وفقًا لرؤية المملكة 2030م.
  • أن تسارع هيئات التطوير، ومكاتبه في المناطق للانتهاء من تطوير إستراتيجياتها لإقرارها من الجهات المختصة؛ بما يرسم لوحة مكتملة السرّد، ومتسقة الألوان، والظلال لتطبيق الرؤية لسياسات الاقتصاد المكاني؛ وبالتالي التعرف على أثرها الاقتصادي، والتوظيفي، ومبادراتها، ومسارات تنفيذها حتى العام 2030م.
  • أن تتخذ كل منطقة الإجراءات الكفيلة بتسريع عملية الاستثمار، وتقديم التسهيلات القانونية، والإدارية، وتنظيم عمل المؤسسات المعنية بذلك من خلال تحديد الرؤية المستقبلية للقطاعات الحيوية، مثل: (قطاع الصناعة، وقطاع الزراعة، وقطاع السياحة، وقطاع التعدين، والخدمات).
  • تحديد أبرز التحديات التي قد تشكل عائقًا أمام الاستفادة من الميزة النسبية، والتنافسية للمناطق، وإيجاد الحلول المناسبة لها.
  • الاستفادة من التغذية الراجعة للبرامج، والخطط التي لم يُكتب لها النجاح.
  • ربط خصائص الحيز المكاني بأبعاده الاقتصادية؛ وذلك ضمن نطاق التأثير، والتأثر؛ بحيث تكون هناك أسبقيات مناطقية مع مراعاة المصلحة الوطنية؛ أي: أن تكون البرامج التنموية في منطقة معينة متممة، ومتكاملة مع المناطق الأخرى.
  • التنسيق بين المناطق ذات المصالح المشتركة من إقامة المشاريع الاستثمارية، وبالذات فيما يتعلق باستعمالات الأراضي.
  • مراعاة التكامل بين العلاقات الاقتصادية، وخصائص الحيز المكاني، وتوفير التسهيلات المشجعة؛ وفق القوانين ذات العلاقة.
  • تعزيز سياسات التحفيز الاستثماري للقطاعين: العام، والخاص مع التركيز على المشاريع ذات الأثر في تعظيم الموارد، ورفع المستوى الاقتصادي للسكان، والتركيز على الوحدات الإدارية الأصغر في هرمية التنظيم المكاني القائم، وتقديم التسهيلات اللازمة، والدعم لها؛ وذلك بهدف تقليل الفوارق المكانية، وتعظيم الموارد الاقتصادية المحلية.
  • تمويل القيام بدراسات مستقبلية لديها القدرة على التنبؤ بوضع كل التوقعات في الحسبان، خصوصًا الزيادة في عدد السكان، والمنشآت، والخدمات في مناطق المملكة المختلفة، واللجوء إلى محاكاة ذلك علميًّا؛ بناء على الإحصاءات العددية، والدراسات الموثقة المعتمدة.
  • رفع مستوى المهارات، والكفاءات المحلية؛ وذلك من خلال تعزيز التعليم، وتقديم التدريب المهني للشباب؛ مما يساهم في توفير قوى عاملة مدربة تلبي احتياجات سوق العمل.
  • الاستثمار في تطوير البنية التحتية الأساسية، مثل: الطرق، والمواصلات، والمياه، والصرف الصحي لتحسين جودة الحياة، وجذب الاستثمارات إلى تلك المناطق.
  • وضع سياسات، وبرامج تشجع على الاستثمار المحلي في كافة القطاعات، ودعم ريادة الأعمال، والصناعات المحلية.
  • تعزيز التعاون بين القطاعين: العام، والخاص، هذا بالإضافة إلى تعزيز التعاون مع الشركات الفاعلة، والمستثمرين بكافة مستوياتهم.
  • تعزيز التحول الرقمي في العمليات الاقتصادية.
  • وضع إستراتيجيات تنمية مستدامة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاقتصادية، والبيئية، والاجتماعية لكل منطقة.
  • إنشاء بنك معلومات خاص بكل منطقة يحتوي على كافة البيانات؛ وذلك للمساعدة في عمل الدراسات، ودعم المستثمرين.
  • إنشاء مؤشرات قياس للنمو /التوظيف /ريادة الأعمال / الظروف البيئية، وتحديثها، ومتابعتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

  • المصادر، والمراجع:
  • مختار، إدريسي. (2019م). مقاربة الاقتصاد المكاني، وإشكالية الفوارق- دراسة تحليلية قياسية. رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة أبو بكر بلقايد – تلمسان.
  • بنية، صابرينة، وبلجيلالي، فتيحة. (2018م). تشخيص إمكانيات التخطيط للتنمية الاقتصادية المحلية بولاية تيارت؛ وفق أسلوب التحليل بالمركبات الأساسية ACP من منظور الاقتصاد المكاني. مجلة الإستراتيجية، والتنمية، ع 14، 55 – 77 .
  • الخريف، رشود بن محمد. (2000م). معدلات المشاركة في النشاط الاقتصادي في المملكة العربية السعودية: مستوياتها، وتباينها المكاني، والعوامل المؤثرة فيها. مجلة دراسات الخليج، والجزيرة العربية، ع 99، 171-218.
  • الربيعو، محمد تركي. (2017م). الاقتصاد المكاني، والمهمّشون، والإثنوغرافيا في مدينة القاهرة. https://www.alquds.co.uk
  • صوار، يوسف، ومختار، إدريسي. (2013م). دراسة مؤشرات التنمية المكانية باستخدام أسلوب التحليل التصنيفي (العنقودي). مجلة الإستراتيجية، والتنمية، مج 3، ع 5، 7-30.
  • مجيد، سهاد علي شهيد وعكار، حمد عبد علي. (د. ت). أهمية الاقتصاد القياسي المكاني، وبعض أهم النماذج، https://uomustansiriyah.edu.iq/media/lectures/10/10_2020_03_09!12_06_17_PM.pdf
  • Menafn (2024م). الابتكار في مستقبل الاقتصاد المكاني. https://menafn.com
  • محمد، عمرو هشام وأحمد، محمد شهاب. (2021م). البعد المكاني للمناطق الصناعية، والدور التنموي المتوقع لها في الاقتصاد العراقي. مجلة الريادة للمال، والأعمال، مج 2، 61-73.
  • هيئة المدن، والمناطق الاقتصادية الخاصة. (2024م). https://ecza.gov.sa/ar
  • مختار، ادريسي و جلول،شريفي ويوسف، صوار . (2023م). التنمية المكانية، والتفاوت بين الولايات: دراسة قياسية باستخدام أدوات التحليل القياسي المكاني. مجلة Les cahiers du CREAD، مج 39، ع 2، 429-456.
  • Lösch, A. (1954). The economics of location (Woglom, W. H., & Stolper, W. F., Trans.). Yale University Press. (Original work published 1933)
  • Von Thünen, J. H. (1966). Von Thünen’s isolated state. Pergamon Press. (Original work published 1826)
  • Krugman, P. (1991). Increasing returns and economic geography. Journal of Political Economy, 99(3), 483-499.
  • Fujita, M., Krugman, P., & Venables, A. J. (1999). The spatial economy: Cities, regions, and international trade. MIT press.

 

 

 

 

 

 

 

  • المشاركون.
  • الورقة الرئيسة: د. إحسان بوحليقة

التعقيب الأول – د. محمد الزهراني

التعقيب الثاني – د. ناصر القعود

التعقيب الثالث – د. سمر الوهيبي

  • إدارة الحوار: أ. عبدالرحمن باسلم
  • المشاركون بالحوار ، والمناقشة:
  • د. خالد الرديعان
  • د. أحمد المحيميد
  • د. فوزية الدوسري
  • د. فهد القاسم
  • د. سعيد مزهر
  • معالي الفريق د. عبدالإله الصالح
  • د. فيصل المبارك
  • د. محمد الثقفي
  • د. محمد ناصر الاسمري
  • د. فهد الغفيلي
  • د. سعد الزهراني
  • د. عبدالعزيز الحرقان
  • اللواء د. عبدالله المهنا
  • د. صدقة فضل
  • أ. فائزة العجروش
  • د. زياد الحقيل
  • د. محمد الملحم
  • د. عبدالرحمن العريني
  • د. حامد الشراري
  • أ. جمال ملائكة
  • د مساعد المحيا
  • د. أماني البريكان
  • أ. محمد المعجل
  • د. حمد السمرين
  • د. مشاعل العيسى

 

 

Scroll to Top